قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٧ - ذكر التكسب و التصرف في المعايش
فضعف قلبه، أو كان وجودها أسكن لقلبه من عدمها، لم يصح له القعود عن المكاسب لأن فيه انتظار لغير الله. و قال بعض العلماء: من طرقته فاقة تسعة أيام، فتصور في قلبه طمع في خلق أو استشراف إلى عبد، فالسوق أفضل له من المسجد. و قال أبو سليمان الداراني: لا خير في عبد لزم القعود في البيت و قلبه معلق بقرع الباب متى يطرق بسبب. و قال بعض علمائنا: إذا استوى عنده وجود السبب و عدمه، و كان قلبه ساكنا مطمئنا عند العدم، لم يشغله ذلك عن الله تعالى، و لم يتفرق همّه، فترك التكسب و القعود لهذا، أفضل لشغله بحاله و تزوّده لمعاده، و قد صح له مقام في التوكل. و قال سهل و قد سئل: متى يصح للعبد التوكل؟ فقال: إذا دخل عليه الضرّ في جسده، و النقص في ماله، فلم يلتفت إليه و لم يحزن عليه شغلا بحاله و ينظر إلى قيام الله عليه. و قال إبراهيم الخوّاص و هو إمام المتوكلين: من المتأخرين: ثلاثة مواطن حمل الزاد فيهن من آداب التوكل: القعود في المسجد و الركوب في سفينة و صحبه القافلة. و قال سفيان الثوري: العالم إذا لم يكن له معيشة صار وكيلا للظلمة، و العابد إذا لم تكن له معيشة أكل بدينه، و الجاهل إذا لم تكن له معيشة كان سفيرا للفساق. و قال بعض أهل المعرفة: الناس ثلاثة، رجل شغله معاده عن معاشه فهذه درجة الفائزين، و رجل شغله معاشه لمعاده فتلك حال الناجين، و آخر شغله معاشه عن معاده فهذه صفة الهالكين. و روينا عن عليّ رضي الله عنه الرزق رزقان: رزق يطلبك و رزق تطلبه. ففسره بعض العلماء فقال: الرزق الذي يطلبك هو رزق الغذاء، و الرزق الذي تطلبه رزق التمليك، و هو طلب فضول القوت. و قال أبو يعقوب السوسي و قد كان له مقام مكين في التوكل: التوكل على ثلاثة مقامات، عام و خاص عام و خاص خاص. فمن دخل في الأسباب و استعمل العلم و توكل على الله تعالى و لم يتحقق باليقين فهو عام، و من ترك الأسباب و توكل على الله و حقق في اليقين فهو خاص عام، و من خرج من الأسباب على حقيقته لوجود اليقين، ثم دخل في الأسباب فتصرف لغيره فهذا خاص خاص. و هذا وصف الطبقة العليا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم العشرة و غيرهم. جودهم اليقين من الدنيا فأدخلهم العلم في الأسباب لغيرهم ردت عليهم أحوال الغير، و اتسعوا بالعلم على حقيقة اليقين، و لذلك كان الخواص رحمه الله تعالى يقول: دخول الخصوص في الأسباب لغيرهم ردت عليهم أحوال الغير و جعلوا رازقين لهم، فتصرفوا فيها لأجلهم و هم بريئون من التعلق بها. و قد كان أبو جعفر الحداد شيخ الجنيد أحد المتوكلين و قال: أخفيت التوكل عشرين سنة و لا فارقت السوق، أكتسب في كل يوم دينارا و عشرة دراهم، أبيت منه دانقا و لا أستريح فيه إلى