قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٦٣ - فصل
و السلام: يا روح الله ما الإخلاص للَّه عزّ و جلّ؟ قال: الذي يعمل العمل للَّه تعالى لا يحبّ أن يحمده عليه أحد من الناس. قالوا: فمن الناصح للَّه عزّ و جلّ؟ قال: الذي يبدأ بحق الله تعالى قبل حق الناس، و إذا عرض له أمران، أحدهما للدنيا و الآخر للآخرة بدأ بأمر الله تعالى قبل أمر الدنيا. فحبّ المحمدة من الناس أصل هو فرعها، و هو يحبّ أن يعرف مكانه، و يريد الاشتهار، و ينوي بقلبه محبة الإعظام له من وجوه الأنام، فلا ينفعه. مع هذه النية اختفاؤه في الآجام و عمله غير مقبول. كما روي أنّ عابدا من بني إسرائيل عبد الله تعالى في سرب أربعين سنة، فكانت الملائكة ترفع عمله في السماء فلا يقبل. فقالت: ربنا و عزتك ما رفعنا إليك إلّا حقّا فقال عزّ و جلّ: صدقتم ملائكتي و لكنه يحبّ أن يعرف مكانه. فلذلك قال بعض السلف: من نجا من الكبر و الرياء و حبّ الشهرة فقد سلم. و قال الثوري: ما عالجت شيئا أشد عليّ من نيتي لأنها تفلت عليّ يعني تشرد أو تضعف، فتحتاج إلى مداواة لها. كما قال المنصور: المداومة على العمل حتى يخلص أشد من العمل. و قال الثوري: ما أعتد بما ظهر من عملي. و قال عليّ رضي الله تعالى عنه: كونوا بقبول العمل أشد اهتماما منكم بالعمل، فإنه لا يقلّ عمل مع تقوى و كيف يقلّ عمل يتقبل؟ و قال بعضهم: من استوحش من الوحدة و أنس بالجماعة لم يسلم من الرياء. و قال عبد العزيز بن أبي رواد: أدركتهم يجتهدون في العلم الصالح فإذا بلغوه وقع عليهم الهمّ أ يتقبل منهم أم لا. و قال مالك بن دينار: الخوف على العمل أن لا يتقبل أشد من العمل. و قال ابن عجلان: العمل لا يصلح إلّا بثلاث، التقوى للَّه عزّ و جلّ، و النية الحسنة، و الإصابة و قد فسر الفضيل قوله تعالى: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [هود: ٧]. قال: أخلصه و أصوبه قيل: و ما ذاك؟ قال: العمل إذا كان خالصا و لم يكن صوابا لم يقبل. و قال التياحي: للعمل أربع خصال لا يتم إلّا بهنّ: معرفة الله عزّ و جلّ، و معرفة الحق، و الإخلاص به و العمل على السنّة. فأي عمل كان قبل هذه الأربع لا ينفع فمنهم من يكون حسن الأداء لفرضه، كثير الندم و الإشفاق من معاصيه، فيكون هذا أحسن حالا، و منهم من يكون سيء الأداء، قليل الحزن و الندم على ذنوبه، فيكون هذا أسوأ حالا و ليس يجدون في ذلك على قياس واحد. و الله تغفر لمن يشاء الذنب العظيم و يعذب من يشاء على الذنب الصغير، لما سبق لهما في علمه، و لما نفذ لهما من مشيئته و حكمه. و قد يشترك الاثنان في معصية و يتفاوتان في حكم المشيئة و يتوب الله على من أحبّ و يتقبل ممن يحبّ. و القبول غير العمل. على العبد العمل و إلى المولى القبول. يقبل ممن يحبّ و يرد ما يشاء ممن يشاء. و السابقة غير