قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٣٣ - ذكر عرى الإيمان و جمل الشريعة
عن أبي جعفر و محمد بن عليّ أنهما قرءا: وَ اجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ [البقرة: ١٢٨]، و قرءا أيضا: الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَ كانُوا مُسْلِمِينَ [الزخرف: ٦٩]. فلو لا أنهما بمعنى واحد لم يجز أن يخالفوا المعنى في المقروء. و كذلك قال رسول الله صلى الله عليه و سلم. في الأمر المتشابه الذي يشبه الحق من جهة و يشبه الباطل من جهة: لا تصدقوا أهل الكتاب و لا تكذبوهم و لكن قولوا: آمنّا باللَّه و ما أنزل إلينا و ما أنزل إليكم، هذا لأن الله سبحانه و تعالى أنزل التوراة، فهي حق. ثم أخبر أنهم قد حرّفوها فاحتمل أن يكون ما يخبرون به المؤمنين مما أنزل الله تعالى فلا يحلّ التكذيب به و لا اعتقاد نفيه، و احتمل ما يخبرون به المؤمنين أنهم حرّفوا فلا يحلّ قبوله و لا اعتقاد ثبوته. فأمرهم النبي صلى الله عليه و سلم بإيقاف ذلك و الإيمان بما أنزل الله تعالى جملة، فإن كان ما أخبروهم حقّا دخل فيه، و إن كان باطلا لم يضرّه. فالمسلم هو الذي يسلم ما لم يظهر دليله في العقل لأجل القدرة و السنّة و النقل، كما أنّ المؤمن هو الذي يصدّق بما لم يظهر بمشاهدة العين الإيمان بالغيب، لأن العقل بصره القلب كالعين بصر الجسم. و قد قال النبي صلى الله عليه و سلم رفع القلم عن المجنون حتى يعقل. كما قال الله تعالى: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ [النور: ٦١]. ثم ترك ما لا يعني مما قد كفي و مما لم يكل إليه من القول و الفعل، لأن الدخول فيما لا يعني هو التكلّف المنهي عنه الذي أخبر رسول الله صلى الله عليه و سلم أنّ الأتقياء من أمته براء منه، و هو يشغل و يقطع عمّا يعني، و فيما يعني شغل عمّا لا يعني لكل فطن عاقل، و هو أصل الحكمة فيما أخبر به لقمان لما سئل: أنّ أوتي الحكمة؟ قال: بشيئين لا أتكلّف ما كفيت و لا أضيع ما كلّفت فهذا شيء لا يضرّ جهله و لا ينفع فعله، و لأنه شيء كتب عليه لم يكن له فيه فضل و إن سمع منه و ظهر به، و لم يكن له فيه مزيد و لا لغيره نفع. ثم كفّ الأذى، فإن ذلك من الورع. و كان سهل رحمه الله تعالى يقول: كفّ الأذى كسب العقل و احتمال الأذى كسب العلم، و النصيحة للخلق و الرحمة لهم كسب الإيمان من العمل في قطع ما قد اعتاد من عاجل حظوظ النفس مما يقطعه عن العمل لأجل الآخرة و أعمال النفس و إجهادها، و أن لا يكون لها معتاد من شهوة تعود على النفس منه منازعة، فإن العادة جند غالب لأجلها تعذرت التوبة و لغلبتها رجع العبد عن الاستقامة، و هي باب من أبواب الهوى، إلّا فيما أمر به العبد أو ندب إليه. قال أبو سليمان الداراني: إن قدرت أنّ لا يكون لك وقت معتاد في الأكل تنازعك نفسك إليه فافعل. و قال: لأن أترك لقمة من عشائي أحبّ إليّ من قيام ليلة، أي لنقص النفس من المعتاد و التقلل أيضا. و قال أيضا. ترك شهوة من شهوات النفس أنفع للقلب من صيام سنة، و قيامها هذا كله خشية إيلاف العادات، فتنازع النفس إلى الألف فلا يمكنك ضبطها لغلبة الوصف، ثم حسن الصبر على