قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢١٥ - الفصل الخامس و الثلاثون فيه ذكر اتصال الإيمان بالإسلام في المعنى و الحكم و افتراقهما في التفصيل و الاسم
الفصل الخامس و الثلاثون فيه ذكر اتصال الإيمان بالإسلام في المعنى و الحكم و افتراقهما في التفصيل و الاسم و أنّ كل مؤمن مسلم، و تحقيق القول بالعمل، و إبطال مذهب الجهمية و الكرامية و الحرورية، و بيان مذهب أهل السنّة و الجماعة، وفقنا الله تعالى لذلك. قال قائلون: الإيمان هو الإسلام و هذا قد أذهب التفاوت و المقامات، و هذا يقرب من مذهب المرجئة و قال آخرون: إنّ الإسلام غير الإيمان، و هؤلاء قد أدخلوا التضاد و التغاير و هذا قريب من قول الإباضية. فهذه مسألة مشكلة تحتاج إلى شرح و تفصيل. فمثل الإسلام من الإيمان كمثل الشهادتين إحداهما من الأخرى في المعنى و الحكم. فشهادة الرسول غير شهادة التوحيد، فهما شيئان في الأعيان و إحداهما مرتبطة بالأخرى، فهما كشيء واحد. لا إيمان لمن لا إسلام له، و لا إسلام لمن لا إيمان له، إذ لا يخلو المسلم من إيمان به يصحّ إسلامه، و لا بدّ للمسلم من إيمان به يحقّ إيمانه، من حيث اشترط الله سبحانه و تعالى للأعمال الصالحة الإيمان، و اشترط للإيمان الأعمال الصالحة. فقال في تحقيق ذلك: فَمَنْ يَعْمَلْ من الصَّالِحاتِ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ [الأنبياء: ٩٤]. و قال في تحقيق الإيمان بالعمل: وَ من يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى [طه: ٧٥]، و من كان ظاهره أعمال الإسلام لا يرجع إلى عقود الإيمان بالغيب، فهو منافق نفاقا ينقل عن الملّة، و من كان عقده الإيمان بالغيب لا يعمل بأحكام الإيمان و شرائع الإسلام، فهو كافر كفرا لا يثبت معه توحيد، و من كان مؤمنا بالغيب مما أخبر به الرسول عن الله سبحانه عاملا بما أمر به فهو مؤمن مسلم، و لو لا أنه كذلك لكان المؤمن يجوز أن لا يسمى مسلما، و لجاز أن لا يسمّى كل مسلم مؤمنا باللَّه تعالى و رسله و كتبه. و مثل الإيمان من الأعمال كمثل القلب من الجسم، لا ينفك أحدهما من الآخر، لا يكون ذو جسم حيّ لا قلب له، و لا ذو قلب لا جسم له، فهما سببان منفردان، و في المعنى و الحكم متصلان. و مثلهما أيضا مثل حبة لها ظاهر و باطن و هي واحدة لا يقال حبتان لتقارب وصفيهما. فكذلك أعمال الإسلام