قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٠٧ - الفصل الرابع و الثلاثون في تفصيل الإسلام و الإيمان و عقود شرح معاملة القلب من مذاهب أهل الجماعة
معاوية سمّيت سنّة الجماعة. و قال له رجل من الشيعة: يا مذلّ المؤمنين. فقال: بل أنا معز المؤمنين. سمعت أبي عليه السلام يقول: لا تكرهوا إمارة معاوية فإنه سيلي هذا الأمر بعدي، و إن فقدتموه رأيتم السيوف تبدر عن كواهلها كأنها الحنظل. فليعتقد بقلبه من رضي الصحابة بإمامته. و أجمعوا على خلافته و اتفق الأئمة من أهل الشورى على تقدمته على حديث ابن عمر في التفضيل. قال: كنا نقول على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان. فيبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم فلا ينكر و على حديث سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكا. فهؤلاء الأربعة خلفاء النبوة، و هم أئمة الأئمة من العشرة، و عيون أهل الهجرة و النصرة، و خيار الخيار من الأصحاب. كما روينا عن النبي صلى الله عليه و سلم أنّ الله عزّ و جلّ اختار أصحابي على العالمين، و اختار من أصحابي أربعة فجعلهم خير أصحابي. و في كل أصحابي خير، و اختار أمتي على الأمم، و اختار من أمتي أربعة قرن، فكل قرن سبعون سنة فإنّا نحن قوم متبعون نقفو الأثر غير مبتدعين بالرأي و المعقول نرد به الخبر، إذ لا مدخل للقياس و الرأي في التفضيل، كما لا مدخل لهما في الصفات و أصول العبادات، و إنما يؤخذ التفضيل توقيفا و تسليما و من طريق الإجماع و الإتباع خشية الشذوذ و الابتداع لقول الرسول صلى الله عليه و سلم: عليكم بسنّتي و سنّة الخلفاء الراشدين المهديين بعدي عضّوا عليها بالنواجذ، و من شذ ففي النار. و قال تعالى في تصديق ذلك: وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَ نُصْلِهِ جَهَنَّمَ [النساء: ١١٥]. و إنما جاء الترتيب في التفضيل و الخلافة مخالفا للقياس، و المعقول توكيدا للنبوة و تأكيدا للرسالة، لئلا تلتبس النبوة بالملك و لا ينحو النبي صلى الله عليه و سلم في الخلافة نحو الأكاسرة و الأقاصرة في المملكة كما. كانت النبوة مخالفة للملك جاءت الخلافة على غير سيرة الملوك من استخلاف أبنائهم و أهل بيتهم، و لو كان للمعقول و القياس مدخل في التفضيل لكان أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم الحسن ابنه، لأنّ فيه النبوّة و العبّاس عمّه إذ فيه الأبوّة. و قد أجمعوا على خلاف ذلك و بمعنى هذا من إخراج الخلق من المألوف و رفع سكونهم عن المعهود، أنّ أبا قحافة و أبا سفيان ماتا مؤمنين، و أنّ أبا رسول الله صلى الله عليه و سلم و عمه ماتا كافرين. أجمع أهل النقل و التواريخ على ذلك. و قال أبو بكر الصدّيق رضي الله تعالى عنه لما أسلم أبوه بين يدي رسول الله عام فتح مكة: و الله يا رسول الله لإسلام أبي طالب كان أحبّ إليّ لو أسلم من إسلام أبي ليقرّ الله به عينك. فبكى رسول الله صلى الله عليه و سلم و أيضا. فلما سبق في علم الله تعالى أن يجعل هؤلاء الأربعة خلفاء النبوة بما قدّر الله من أعمارهم، فلم يكن يتم ذلك إلّا بترتيبهم على ما رتبوا في الخلافة. فكان آخرهم استخلافا هو آخرهم