قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ٢٠٦ - الفصل الرابع و الثلاثون في تفصيل الإسلام و الإيمان و عقود شرح معاملة القلب من مذاهب أهل الجماعة
عبيدة: يعني ما خرج من الله تعالى. قال: و فيه دليل أنّ القرآن غير مخلوق، و أنه خرج من الله تعالى تكلم به. قال و من هذا قوله تعالى: لا يَرْقُبُونَ في مُؤْمِنٍ إِلًّا وَ لا ذِمَّةً [التوبة: ١٠]. معناه الله عزّ و جلّ لا يرقبونه. و قد روينا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم بمعنى ذلك في قوله: فضل كلام الله عزّ و جلّ على سائر الكلام كفضل الله تعالى على خلقه، و ذلك أنه خرج منه. و قرأت في مصحف ابن مسعود قال: يا موسى قد فضّلتك برسالاتي و بكلامي على الناس، و هذا لا يجوز فيه إلّا التكلم بالذات مع قوله سبحانه و تعالى: وَ كَلَّمَ الله مُوسى تَكْلِيماً [النساء: ١٦٤]. قال أهل اللغة: المصدر إذا أدخل في الفعل فهو للمواجهة و الوصف لا للأمر بالفعل، و لا على المجاز، ثم تسليم أخيار الصفات فيما ثبتت به الروايات و صحّ النقل، و لا يتأول ذلك و لا يشبه بالقياس و العقل، و لكن يعتقد إثبات الأسماء و الصفات بمعانيها و حقائقها للَّه تعالى، و ينفي التشبيه و التكييف عنها إذ لا كفؤ للموصوف فيشبه، و لا مثل له فيجنس منه، و لا نشبه و نصف، و لا نمثل و نعرف، و لا نكيف. و في رد أخبار الصفات بطلان شرائع الإسلام من قبل أنّ الناقلين إلينا ذلك هم ناقلو شرائع الدين و أحكام الإيمان، فإن كانوا عدولا فيما نقلوه من الشريعة فالعدل مقبول القول في كل ما نقله، و إن كانوا كذبوا فيما نقلوا من أخبار الصفات فالكذاب مردود القول في كل ما جاء به. و الكذب على الله كفر، فكيف تقبل شهادة كافر؟ و إذ جاز أن يجترئوا على الله عزّ و جلّ بأن يزيدوا في صفاته ما لم يسمعوه عن رسول الله صلى الله عليه و سلم فهم إلى أن يكذبوا على الرسول فيما من الأحكام أولى. ففي ذلك إبطال الشريعة، و تكفير النقلة من الصحابة و التابعين بإحسان. فلذلك كفر أصحاب الحديث من نفي أخبار الصفات. و يعتقد تفضيل أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم و أهل بيته رضي الله عنهم و رضوا عنه كافة، و يسكت عمّا شجر بينهم، و ينشر محاسنهم و فضائلهم لتأتلف القلوب بذلك، و نسلم لكل واحد منهم ما فعله، لأنهم أوفر و أعلى عقولا منا. فقد علم كل واحد بعلمه و منتهى عقله فيما أدى إليه اجتهاده، و إن كان بعضهم أعلم من بعض، كما أن بعضهم أفضل من بعض. إلّا أنّ علومنا و عقولنا تضعف و تنقص عن علم أدناهم علما. كما فضّلوا علينا بالسوابق سبقا و تقدّم من قدم الله و رسوله و أجمع المسلمون الذين تولى الله إجماعهم على الهداية، و ضمن لرسوله صلى الله عليه و سلم تفضيلا لهم و تشريفا لهم أن لا يجتمعوا على ضلالة. و قد قال عليّ لما قيل له: أ لا تستخلف علينا؟ فقال: لا أستخلف عليكم بل أكلكم إلى الله عزّ و جلّ. فإن يرد بكم خيرا جمعكم بعد نبيكم على خيركم. قال إبراهيم النخعي: فلما سلم الحسن بن عليّ رضي الله تعالى عنهما الأمر إلى