قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٨٢ - ذكر فضائل الصدقة و آداب العطاء و ما يزكو به المعروف و يفضل به المنفقون
الأقارب فكان فضل الصدقة على الأقارب دون البعيد كفضل الصدقة على القربة دون الأباعد، لأنه ليس يعد صلة الرحم في معناها أفضل من صلة الإخوان. و كان بعض السلف يقول: أفضل الأعمال صلة الإخوان و ليقصد ببرّه من إذا دفع إليه العطاء حمد الله تعالى و شكره، و رأى النعمة منه، و لم ينظر إلى واسطة في نعمة. فإن هذا أشكر العباد للَّه تعالى لأن حقيقة الشكر للَّه بشهود النعمة منه و الإخلاص بحسّ المعاملة له، و أن لا يشهد في النعمة بالعطاء و النعمة بالعمل الصالح سواه. و في وصية عليّ رضي الله تعالى عنه: لا تجعل بينك و بين الله تعالى منعما، و اعدد نعمة غيره عليك مغرما، فليقدم مثل هذا على من لو أعطاه و رزقه أثنى عليه و مدحه و شهده فيه فحمده، فيكون قد حمد غير الذي أعطاه، و نظر إلى سواه، و ذكر غير الذي ذكره بالعطاء، لأنّ الذي يحمد الله و يشكره و يثني عليه برزقه و يذكره يرى أنّ الله سبحانه و تعالى هو المنعم المعطي، فينظر إليه من قرب، فيقين هذا باللَّه أنفع لصاحب المعروف عند الله من دعاء الآخر المثنى، لأنه كان سببا لنفع موقن فيكون واضعا للشيء في حقيقة موضعه. و مدح الآخرة و دعاؤه له لأجل أنه يراه هو المعطي فينظر إليه فيمدحه. فضعف يقين هذا بربه أشدّ على المنفق من دعائه له، إن كان ناصحا للَّه تعالى في خلقه و لخلق الله تعالى فيه، إلّا أن لا ينصح لمولاه لغلبة هواه على تقواه، و جهله بعائد النفع له في عقباه. فنقص هذا حينئذ بمقامه من التوحيد أعظم من زيادته بصدقته، على أنه لا يؤمن الاستشراف من الآخر إليه، و الاعتياد منه، و الطمع فيه، بكلام يحبط عمله. و أيضا فإنه إذا رآه في العطاء فإنه يراه عند المنع فيذمه و يقع فيه، فيكون هو سبب حمله عليه، و هو آمن مطمئن لهذا كله مع الموقن المشاهد. و في الخبر أن الصدقة تقع بيد الله تعالى قبل أن تقع بيد السائل و هو يضعها في يد السائل. فالموقن يأخذ رزقه من يد الله تعالى فهو لا يعبد إلّا الله تعالى، و لا يطلب منه إلّا كما أمره في قوله تعالى: فَابْتَغُوا عِنْدَ الله الرِّزْقَ وَ اعْبُدُوهُ [العنكبوت: ١٧]. و وجه رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى بعض الفقراء بمعروف، و قال للرسول: احفظ ما يقول. فلما أوصله إليه قال: الحمد للَّه الذي لا ينسى من ذكره و لا يضيع من شكره. ثم قال: اللهم إنك لم تنسى فلانا، يعني نفسه، فاجعل فلانا لا ينساك. فأخبر الرسول رسول الله صلى الله عليه و سلم بذلك فسرّ به و قال قد علمت أنه يقول ذلك. و قد روي هذا عن عمرو عن أبي الدرداء مع جرير رضي الله عنهم و قال: صلى الله عليه و سلم لرجل: تب. فقال: أتوب إلى الله و لا أتوب إلى محمد. فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: عرف الحق لأهله. و قالت عائشة رضي الله تعالى عنها في قصة الإفك: نحمد الله و لا نحمدك. فسرّه ذلك