قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٤٩ - ذكر فرائض الاستنجاء
باطن المعرفة، و هو سبق المعروف إلى من به تعرف بصفة مخصوصة بحبيب مقرب مخصوص لا يسع معرفة ذلك الكافة. و إفشاء سرّ الربوبية كفر. و قال بعض العارفين: من صرح بالتوحيد و أفشى الوحدانية فقتله أفضل من إحياء غيره. و قال بعضهم: للربوبية سرّ لو ظهر لبطلت النبوّة و للنبوّة سرّ لو كشف بطل العلم، و للعلماء باللّه سرّ لو أظهره الله تعالى لبطلت الأحكام. فقوام الإيمان و استقامة الشرع بكتم السرّ، به وقع التدبير و عليه انتظم الأمر و النهي. الله غالب على أمره. و فوق ذلك علم التوحيد و الاسم منه وحداني. فالتوحيد وصفه و فوقه علم الاتحاد. فالوصف منه متحد و فوقهما علم الوحدانية، و الاسم منه واحد. و فوق ذلك علم الأحدية و الاسم منه أحد و هذه أسماء لها صفات، و أوصاف لها أنوار و أنوار عنها علوم، و علوم له مشاهدات بعضها فوق بعض. فوق كل ذي علم عليم، ثم علم التوحيد أول هذه العلوم و عموم هذه المشاهدات، و ظاهر هذه الأنوار و أقربها إلى الخلق. فالاسم منه موحد و هاهنا بان الخلق و ظهر، فهذا توحيده الذي وحده به الموحدون من جميع خليقته، فعاد ذلك عليهم برحمته. و المشاهدات الأول توحيد الرب تعالى نفسه بنفسه لنفسه، قبل توحيد خلقه. فتوحيدهم إيّاه عن توحيده فيما كتبنا عنه، و أخفينا فيما أظهرناه. فهو محجوب في خزائن الغيوب عن البصائر و الفهوم، قد جاوز علم الملكوت كله، فهو من ورائها في خزائن الجبروت. و إنما ذكرنا من ذلك قوت القلوب من علم التوحيد، و ما لا بدّ للإيمان منه من المزيد. و قال عالمنا أبو محمد سهل رحمه الله تعالى: للعالم ثلاثة علوم، علم ظاهر يبذله لأهل الظاهر، و علم باطن لا يسع إظهاره إلّا لأهله، و علم هو سرّ بين الله و بين العالم هو حقيقة إيمانه، لا يظهره لأهل الظاهر و لا لأهل الباطن. و قال بعض السلف قبله: ما من عالم يحدث قوما بعلم لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة عليهم. شرح ثاني ما بني الإسلام عليه من الخمس: و هو الصلاة و أول ذلك وصف الطهارة، أولها فرائض الاستنجاء و سننه، و فرائض الوضوء و سننه و فضائله، و فرائض الصلاة و سننها و أحكام المصلّي في وقت الصلاة و إدراكها، و ما يتعلق بها و هيئات الصلاة و آداب المصلّي. ذكر فرائض الاستنجاء قال الله جلّ ثناؤه و صدقت أنباؤه: فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَ الله يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ [التوبة: ١٠٨]. و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: لا يقبل الله صلاة بغير طهور. و قال