قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٤٧ - ذكر فرائض الاستنجاء
و اختلفوا في العلم فقالت العبادية من القدرية و هم أصحاب عباد: إنّ الله تعالى لا يرى الشيء. حتى يكون، يضاهون بذلك قول النظام و بشر المريسي في أن الله تعالى لا يرى الأشياء حتى تكون. و الجهمية مجمعة على اختلافهم أنّ الله تعالى لم يتكلم بالشيء حتى كان، ثم خلق الكلام فقدموا الكون قبل كلامه، كما قدمه أولئك قبل نظره. و قال الجميع بحدوث النظر. كما قالوا بحدوث الكلام و النظر لأنهم قالوا بحدوث الأسماء بعد حدوث المسميات، و تقدم الاستطاعة من الخلق على الإرادة من الخالق. فاستوى بذلك شركهم خرجوا به من التوحيد. كذلك كذبت العبادية من القدرية أصحاب عباد يضاهون قول النظامية و المريسية، تشابهت قلوبهم فيتبعون ما تشابه منه. و المعتزلة أيضا مجمعة على نفي العلم و القدرة و المشيئة إلّا أنهم يقولون: عالم و لكن لا يضطر علمه إلى شيء و لا يوجب شيئا، فجعلوه كالظن من الخلق فقالوا: عالم بلا علم قديم و قادر بلا قدرة و مريد بلا إرادة سابقة، و قدموا الاستطاعة من الخلق فقالوا: لئلا يلزمهم سبق المعلومات و إنّ الإرادة و الكلام من نعوت الأفعال مخلوقان. و الجهمية أيضا مجمعة أنّ الله تعالى لا يتكلم بوصفه أصلا و إنما يظهر في أديم القضاء الكلام بخلق الأعراض في الأجسام. فكان هذا عندهم هو التوحيد لئلا يثبتوا مع الله قديما. و هذا عند أهل السنة و الجماعة هو الإلحاد لنفي قدم الصفات و القول بحدوثها و انفصالها عن الذات، و ليس يختلف أهل اليقين بحمد الله تعالى في جميع ما ذكرناه، كما لا يختلفون في صحة التوحيد. و هذه شهادة الموقنين و إيمان المقربين. فلا يتشبهن لك العقل بالمعقول عن شهود ما ذكرناه فيعقلك عن النفاد للشهادة، فليس يشهد ما ذكرناه من صفات الشهيد بنور العقل، و إنما يشهد بنور اليقين، لأنّ خالقا لا يشبه بمخلوق. و من ليس كمثله شيء لا يشهد إلا بما ليس كمثله شيء، و هو نور اليقين من نور القادر. و من لم يجعل الله نورا له فما له من نور. و ما ذكرناه من وصفه تعالى هو ظاهر التوحيد المتصل بفرض الشهادة، لا يجري على ترتيب المعقول. و لا يمثل بقياس العقول، لأن نفي الصفات و إثباتها بالمماثلات موجود في رأي العقول، كما أنّ الكفر و الضلال موجود في طبائع النفوس لعدم شهادة الأبصار، و لفقد وجود مشاهدة الإلهية في تخيل الأفكار، و لجريان المعتاد و العرف في ظهور الأسباب. كما حدثنا أنّ بعض الصدّيقين دعا إلى الله سبحانه و تعالى بحقيقة التوحيد فلم يستحب له إلا الواحد بعد الواحد. فعجب من ذلك فأوحى الله تبارك و تعالى إليه: تريد أن تستجيب لك العقول؟ قال: نعم. قال: احجبني عنهم قال: كيف أحجبك و أنا أدعو إليك؟ قال: تكلم في الأسباب و في أسباب