قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١١٧ - ذكر مخاوف المحبين و مقاماتهم في الخوف
و هو يشتاق إليهم، و أهل القرب ينظرون إليه و هو ينظر إليهم، و أهل المحبة يحبون أن يسمعوا كلامه و هو يحب أن يسمع كلامهم، و أهل الأحوال يسألونه و هو حسبهم و يحب أن يسألوه، و أهل المشاهدات يزورنه و هو في قلوبهم يزورهم، و أهل الآخرة ينظرون إليه في الآخرة و هو ينظر إليهم في الدنيا. ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء كما ذكرنا في قصة داود الملك الرسول، إذ أرسله الملك الجليل إلى أحبائه الأربعة عشر الأولياء أن يسألهم أن يسألوه حاجة، فلما رأوه نفروا منه لئلا يشغلهم عنه. فذكرناها قبل هذا فلا تنكرن من هذا شيئا فإنه يعطي المحبوب في الدنيا أول عطاء أهل الجنة في الآخرة، و هو: كن. فيزهدون في ذلك لأجل بقائه و يكرهون ذلك لحبه. قد جاوزوا معارف من سواهم. فإذا أعطاهم كن أمرهم أن يقولوا: كن في أمر الساعة و لا يقولوا: كن في كشف الغطاء عن النيران و الجنان، و ما وراءها من الكون و المكان للعيان قبل اللقاء. و إن كانت ظاهرة لباطن إلا أنها مستورة بالصنع للإيقان، مقطوع عنها الوهم راجع عنها الفكر و الهم. و سألهم أن لا يظهروا ما في الحكمة و العقل إخفاؤه، لأن إظهاره لا يصلح للخلائق و لا يستقيم عليه أمر المملكة، و لا ينتظم به التدبير لما سبق من التقدير. و فيه سقوط الأحكام و وقوع الهلكة للأنام. فإذا رأوا ذلك منه و ما قد استثناه عليهم منها استجابوا له أحسن استجابة، و ردوها إليه أسرع مرد و أبلغه في مرضاته، و هو أن يتركوا إظهار شيء لإظهاره و يزهدوا في كل معنى منها لوجهه، و رضوا بتصريف قدرته في مجاري حكمته. و هذا غاية الجهد و نهاية الزهد و الحب. فيشكر لهم ذلك أحسن شكر و يدخر لهم عنده أفضل ذخر. و لما دخل الزنج البصرة فقتلوا الأنفس و نهبوا الأموال، اجتمع إلى سهل إخوانه فقالوا: لو سألت الله عزّ و جلّ في هذا الأمر، و لو دعوت. فسكت ثم قال: للَّه تعالى عباد في هذه البلدة، لو دعوا على الظالمين لم يصبح على وجه الأرض ظالم إلا مات في ليلة، و لكن لا يفعلون. قيل: و لم؟ قال: لأنهم لا يحبون ما لا يحب. ثم ذكر من إجابة الله تعالى أشياء لا نستطيع ذكرها. حتى قال: لو سألوه أن لا يقيم الساعة لم يقمها، و اعلم أن العبد إذا بلغ من الله تعالى هذا المكانة حتى يعطيه كن اقتضته الحال أن يقول: وفقني لما تحب و اعصمني مما تكره، فإني بشر جاهل لا أحسن التدبير و لا أعرف المقادير و لا علم لي بعواقب الأمور، و أخاف أن يكون في قولي تفاوت و في إرادتي اضطراب. و إذا أجابه تعالى إلى ذلك، سكت فلم ينطق و سلم، و رضي بالتدبير فأطرق لأن الذي يحب الله تعالى يحب أن تكون الأمور على ما هي عليه، لأنها عن تدبير يظهر بمعاني الخير و الشر لأنه تولى التدبير بنفسه كما استوى على العرش بوصفه، و لم يجعل على العباد تدبير الملك إنما