سفینة البحار و مدینة الحکم و الآثار - القمي، الشيخ عباس - الصفحة ١٥٦ - الفلك و كلام الشيخ البهائي في شرحه
عالم العناصر أي الفلك الذي يتدبّر بعض مصالح عالم الكون و الفساد،و قد ذكر بعض المفسّرين في تفسير قوله تعالى: «فَالْمُدَبِّرٰاتِ أَمْراً» [١]انّ المراد بها الأفلاك،و يمكن أن يكون على ضرب من المجاز كما يسمّى ما يقطع به الشيء قاطعا،و ربّما يوجد في بعض النسخ«المتصرّف في فلك التدوير»،الى أن قال:
و لا يبعد أن يكون الإضافة في فلك التدبير من قبيل إضافة الظرف الى المظروف كقولهم مجلس الحكم و دار القضاء،أي الفلك الذي هو مكان التدبير و محلّه نظرا الى انّ ملائكة سماء الدنيا يدبّرون أمر العالم السفلي فيه،الى أن قال رحمه اللّه:خطابه عليه السّلام للقمر و نداؤه له و وصفه بالطاعة و الجدّ و التعب و التردّد في المنازل و التصرّف في الفلك ربّما يعطي بظاهره كونه ذا حياة و إدراك و لا استبعاد في ذلك نظرا الى قدرة اللّه تعالى و قد يستند في ذلك بظاهر قوله تعالى: «فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ» [٢]فانّ الواو و النون لا يستعملان حقيقة لغير العقلاء.
و قد أطبق الطبيعيّون على انّ الأفلاك بأجمعها حيّة ناطقة عاشقة مطيعة لمبدعها و خالقها،الى أن قال:و ذهب جمّ غفير منهم الى انّه لا ميت في شيء من الكواكب أيضا حتّى أثبتوا لكلّ واحد منها نفسا على حدة تحرّكه حركة مستديرة على نفسه، و ابن سينا في(الشفاء)مال الى هذا القول و رجّحه و حكم به في النمط الخامس من الإشارات و لو قال به قائل لم يكن مجازفا،و كلام ابن سينا و أمثاله و إن لم يكن حجّة يركن إليه الديّانيّون في أمثال هذه المطالب الاّ انّه يصلح للتأييد و لم يرد في الشريعة المطهّرة ما ينافي هذا القول و لا قام دليل عقلي على بطلانه،و إذا جاز أن يكون لمثل البعوضة و النملة فما دونها حياة فأيّ مانع من أن يكون لتلك الأجرام الشريفة أيضا ذلك؟
و قد ذهب جماعة الى انّ لجميع الأشياء نفوسا مجرّدة و نطقا و جعلوا قوله تعالى:
[١] سورة النازعات/الآية ٥.
[٢] سورة الأنبياء/الآية ٣٣،و سورة يس/الآية ٤٠.