الموسوعة الفقهية الميسرة - الأنصاري، الشيخ محمد علي - الصفحة ٢٠٢
من الرزق) * " [١].
٦ - وروى مصدق بن صدقة قال: " دخل سفيان الثوري على أبي عبد الله (عليه السلام) فرأى عليه ثياب بيض كأنها غرقى البيض [٢]، فقال له: إن هذا اللباس ليس من لباسك! فقال له: اسمع مني وع ما أقول لك، فإنه خير لك عاجلا وآجلا، إن أنت مت على السنة ولم تمت على بدعة [٣]، أخبرك أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان في زمان مقفر جدب، فأما إذا أقبلت الدنيا فأحق أهلها بها أبرارها لا فجارها، ومؤمنوها لا منافقوها، ومسلموها لا كفارها، فما أنكرت يا ثوري؟! فوالله إني لمع ما ترى ما أتى علي - مذ عقلت - صباح ولا مساء ولله في مالي حق أمرني أن أضعه موضعا إلا وضعته... " [٤].
٧ - وعن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: " بعث أمير المؤمنين (عليه السلام) عبد الله بن عباس إلى ابن الكوا [٥] وأصحابه، وعليه قميص رقيق وحلة، فلما نظروا إليه قالوا: يا بن عباس، أنت خيرنا في أنفسنا، وأنت تلبس هذا اللباس؟! فقال: وهذا أول ما أخاصمكم فيه * (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق) * [١] وقال الله عز وجل: * (خذوا زينتكم عند كل مسجد) * [٢] " [٣].
والروايات في ذلك كثيرة، ويستفاد من مجموعها: أن لبس اللباس النظيف والنقي والجميل ليس إسرافا [٤]، بل مندوب إليه شرعا إذا لم يصل
[١] الوسائل ٥: ٧، الباب الأول من أبواب أحكام الملابس،
الحديث ٨، والآية ٣٢ من سورة الأعراف.
[٢] الغرقى: القشرة الملتزقة ببياض البيض، أو البياض
الذي يؤكل. القاموس المحيط: " الغرقى ".
[٣] لا يخفى ظرافة هذا القيد على أهل الدقة والنظر.
[٤] الوسائل ٥: ١٩، الباب ٧ من أبواب أحكام الملابس،
الحديث ١٠، وكأن القضية وقعت عدة مرات مع عدة
أشخاص.
[٥] كان من رؤساء الخوارج.
[١] الأعراف: ٣٢.
[٢] الأعراف: ٣١.
[٣] الوسائل ٥: ١٧، الباب ٧ من أبواب أحكام الملابس،
الحديث ٦.
[٤] وأما ما ورد: من أن أمير المؤمنين عليا (عليه السلام) كان يلبس
الخشن من الثياب، فذلك لمصالح أهم من مصلحة
التجمل، فإنه (عليه السلام) لما سمع أن عاصم بن زياد ترك الحياة
وقد غم أهله وأحزن ولده بذلك، فدعاه ولامه على
فعله، ومما قال له: " أما استحييت من أهلك؟ أما
رحمت ولدك؟ "... فقال عاصم: " يا أمير المؤمنين،
فعلام اقتصرت في مطعمك على الجشوبة، وفي ملبسك
على الخشونة؟ فقال: ويحك، إن الله عز وجل فرض
على أئمة العدل أن يقدروا أنفسهم بضعفة الناس، كيلا
يتبيغ بالفقير فقره ". الوسائل ٥: ١١٢، الباب ٧٢ من
أبواب أحكام الملابس، الحديث الأول. والتبيغ:
الهيجان والغلبة، القاموس المحيط: " بيغ ".
وعن سالم بن مكرم عن أبي عبد الله (عليه السلام) - بعد أن
وصف ثوب علي (عليه السلام) -: " هذا اللباس الذي ينبغي أن
تلبسوه، ولكن لا نقدر أن نلبس هذا اليوم، لو فعلنا
لقالوا: مجنون، أو لقالوا: مراء، فإذا قام قائمنا كان هذا
اللباس ". مكارم الأخلاق: ١١٣.
وعن ابن سنان عنه (عليه السلام) قال: " كان لأبي ثوبان
خشنان يصلي فيهما صلاته، فإذا أراد أن يسأل الله
الحاجة لبسهما وسأل الله حاجته ". المصدر المتقدم.
و " كان جلوس الرضا (عليه السلام) في الصيف على حصير،
وفي الشتاء على مسح، ولبسه الغليظ من الثياب، حتى
إذا برز للناس تزين لهم ". الوسائل ٥: ٥٣، الباب ٢٩
من أبواب أحكام الملابس، الحديث ٣.
واختلاف حالات النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام) ينشأ من
اختلاف الظروف والحالات كما صرح بذلك كاشف
الغطاء حيث قال في جملة مستحبات اللباس: " ومنها أن
يلبس ويتزين بالفاخر في زمان اتساع الأمور على
الخلق، وبالردئ في زمان الضيق، وبذلك اختلف حال
رسول الله (صلى الله عليه وآله) وحال أكثر الأئمة (عليهم السلام) ". كشف الغطاء:
٢٠٣.
ولذلك ورد عنهم (عليهم السلام): " خير لباس كل زمان لباس
أهله ". الوسائل ٥: ٨، الباب ٢ من أبواب أحكام
الملابس، الحديث ٢.