الموسوعة الفقهية الميسرة - الأنصاري، الشيخ محمد علي - الصفحة ١٨
ربيعة، يا شيبة بن ربيعة، أليس قد وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقا.
فسمع عمر قول النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم فقال: يا رسول الله كيف يسمعوا وأنى يجيبوا وقد جيفوا؟! قال: والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يقدرون أن يجيبوا، ثم أمر بهم فسحبوا فألقوا في قليب بدر " [١].
وروى البخاري أيضا عن أنس بن مالك، قال: " إن رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم قال: إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه - وإنه ليسمع قرع نعالهم - أتاه ملكان فيقعدانه... " [٢].
والخلاصة: أن الروايات - من الطرفين - متظافرة على أن الأموات يسمعون كلام الأحياء ويأنسون بهم.
نعم، سماعهم ليس سماعا حسيا بآلة السمع، بل هو سماع برزخي. وتوضيحه يتكفله علم الكلام [٣].
لا فرق بين ما يكون المستغاث به قادرا عليه وبين غيره: فرق ابن تيمية وأصحابه بين ما يكون المستغاث فيه مقدورا للمستغاث به وبين ما لا يكون كذلك، فجوزوا الاستغاثة في الأول دون الثاني، لكن المعروف عند سائر المسلمين عدم
[١] رواه البخاري في صحيحه (١: ٢٣٨، كتاب الجنائز،
باب ما جاء في عذاب القبر) عن عبد الله بن عمر،
ورواه مسلم في صحيحه (٤: ٢٢٠٣، كتاب الجنة، باب
إثبات عذاب القبر، الحديث ٢٨٧٤) عن أنس بن مالك.
[٢] صحيح البخاري ١: ٢٣٨، كتاب الجنائز، باب ما جاء
في عذاب القبر.
[٣] العوالم التي يمر بها الإنسان أربعة:
أ - العالم الجنيني.
ب - العالم الدنيوي.
ج - العالم البرزخي.
د - العالم الأخروي.
فالأولان عشناهما، والآخران أخبرتنا بهما
الشريعة. وقد دل كثير من الآيات والروايات على العالم
البرزخي. فمن جملة الآيات:
١ - قوله تعالى: * (ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله
أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون) *. البقرة: ١٥٤.
ومثلها الآية ١٦٩ من سورة آل عمران.
٢ - قوله تعالى: * (حتى إذا جاء أحدهم الموت قال
رب ارجعون * لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها
كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون) *.
المؤمنون: ٩٩ - ١٠٠.
٣ - قوله تعالى: * (وحاق بآل فرعون سوء العذاب
* النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة
أدخلوا آل فرعون أشد العذاب) *. غافر: ٤٥ - ٤٦.
فإن الآخرة ليس فيها غدو وعشي، بل إنما ذلك في
البرزخ وقبل يوم القيامة كما هو صريح الآية.
وأما السنة فقد ورد فيها مستفيضا ما يدل على الحياة
البرزخية كما أشرنا إلى بعضها في المتن، وانظر هذا
الموضوع في كتاب الميزان في تفسير القرآن (للعلامة
الطباطبائي) ٢: ٣٤٧.