المستند في شرح العروة الوثقى - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الشيخ مرتضى البروجردي - الصفحة ١٠٩
النظر عن مرحلة الفعليّة وتحقّق الموضوع خارجاً، فكان كلٌّ منهما يكذب الآخر بمدلوله الالتزامي ، كما لو دلّ أحدهما على وجوب شيء والآخر على حرمته أو عدم وجوبه ، أو أحدهما على نجاسة شيء ـ كعرق الجنب من الحرام ـ والآخر على طهارته، فكان بين الدليلين تناقضٌ أو تضادّ ـ الراجع بالآخرة إلى التناقض ـ إمّا ذاتاً أو عَرَضاً .
وهذا الضابط ـ كما ترى ـ غير منطبق على المقام ، إذ لا تنافي بوجه بين ما دلّ على وجوب الزكاة لمن كان مالكاً للنصاب في تمام الحول وبين دليل وجوب الوفاء بالنذر ، غايته أنّ في صورة المقارنة بين تماميّة الحول وبين حصول المعلّق عليه النذر لا يتمكّن المكلّف من الجمع بين صرف المال في الزكاة وفي الصدقة ، نظراً إلى أنّ تقديم كلٍّ منهما يعدم موضوع الآخر ، لأ نّه لو صرفه في الزكاة ينعدم موضوع النذر ، إذ لا يمكن التصدّق بمال الغير ، ولو صرفه في الصدقة لا موضوع للزكاة ، لزوال النصاب ، فهو غير متمكّن من صرف هذا المال خارجاً في كلا الموردين ، لا أنّ بينهما تكاذباً في مرحلة الجعل ليكونا من المتعارضين .
فالمقام يكاد يلحق بباب التزاحم ، الذي ضابطه تنافي الدليلين في مرحلـة الفعليّة ـ دون الجعل ـ الناشئ من عجز المكلّف عن الجمع بينهما في مقام الامتثال، مثل ما لو لم يتمكّن من الجمع بين الصلاة وبين إزالة النجاسة عن المسجد لضيق الوقت ، أو كان له ماء ولم يتمكّن من صرفه إلاّ في حفظ النفس عن الهلاك أو الوضوء بحيث لو اختار كلاًّ منهما عجز عن امتثال الآخر .
وعلى الجملة : فلا مساس للمقام بباب التعارض أبداً ليرجع فيه إلى التخيير .
وثانياً : سلّمنا ذلك، ولكن التخيير غير ثابت في هذا الباب من أصله ، لضعف مستنده حسبما بيّناه في محلّه [١] ، بل حكم المتعارضين : الترجيح إن كان ، وإلاّ
ــــــــــــــــــــــــــــ
[١] أجود التقريرات ٢ : ٥٠٣