مسند الإمام الكاظم أبي الحسن موسى بن جعفر(ع) - العطاردي، الشيخ عزيز الله - الصفحة ٤٣ - ٥- «باب عبادته و زهده
و اللّه لأمضين إليه و لأوبخنه، فدنوت منه فلما رآني مقبلا قال يا شقيق «اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ» ثم تركني و مضى، فقلت في نفسي إن هذا لأمر عظيم قد تكلم علي ما في نفسي و نطق باسمي و ما هذا إلا عبد صالح لألحقنه و لأسألنه أن يحالني.
فأسرعت في أثره فلم ألحقه و غاب عن عيني، فلما نزلنا واقصة إذا به يصلي و أعضاؤه تضطرب و دموعه تجري فقلت هذا صاحبي أمضي إليه و أستحله، فصبرت حتى جلس و أقبلت نحوه فلما رآني مقبلا قال يا شقيق اتل «وَ إِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى»، ثم تركني و مضى.
فقلت إن هذا الفتى من الأبدال و قد تكلم على سري مرتين، فلما نزلنا رمالا إذا بالفتى قائم على البئر و بيده ركوة يريد أن يستقي ماء فسقطت الركوة من يده في البئر و أنا أنظر إليه فرأيته قد رمق السماء و سمعته يقول:
أنت ريي إذا ظمئت من الماء * * * و قوتي إذا أردت الطعاما
اللهم سيدي ما لي سواها فلا تعدمنيها، قال شقيق فو اللّه لقد رأيت البئر قد ارتفع ماؤها فمد يده فأخذ الركوة و ملأها ماء و توضأ و صلّى أربع ركعات ثم مال إلى كثيب رمل فجعل يقبض بيده و يطرحه في الركوة و يحركه و يشرب، فأقبلت إليه و سلمت عليه فرد علي السلام، فقلت أطعمني من فضل ما أنعم اللّه به عليك.
فقال: يا شقيق! لم تزل نعمة اللّه علينا ظاهرة و باطنة فاحسن ظنك بربك، ثم ناولني الركوة فشربت منها فذا سويق و سكر، فو اللّه ما شربت قط ألذ منه و لا أطيب ريحا منه فشبعت و رويت فأقمت أياما لا أشتهي طعاما و لا شرابا، ثم لم أره حتى دخلنا مكة فرأيته ليلة إلى جنب قبة الشراب في نصف الليل يصلي بخشوع و أنين و بكاء فلم يزل كذلك حتى ذهب الليل.
فلما رأى الفجر جلس في مصلاه يسبح اللّه ثم قام فصلّى الغداة و طاف بالبيت أسبوعا و خرج، فتبعته فاذا له حاشية و موال و هو على خلاف ما رأيته في الطريق و دار به الناس من حوله يسلمون عليه، فقلت لبعض من رأيته يقرب منه من هذا الفتى؟ فقال هذا موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام)،