الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٧٤ - المعاني التاريخية
و العبر و مما هو من أبواب المعاني الدينية و المعاني الاجتماعية.
(٣) القضاء على فكرة التكرار و على عد القصص القرآني من المتشابه.
(٤) أصبح العقل الإسلامي غير ملزم بالإيمان برأي معين في هذه الأخبار التاريخية الواردة في القصص القرآني و ذلك لأنها لم تبلغ على أنها دين يتبع و إنما بلغت على أنها المواعظ و الحكم و الأمثال التي تضرب للناس و من هنا يصبح من حق العقل البشري أن يهمل هذه الأخبار أو يجهلها أو يخالف فيها أو ينكرها. جاء في المنار بصدد تفسيره لقصة هاروت و ماروت من سورة البقرة ما يلي: «و من البديهي أن ذكر القصة في القرآن لا يقتضي أن يكون ما يحكى فيها عن الناس صحيحا فذكر السحر في هذه الآيات لا يستلزم إثبات ما يعتقد الناس منه كما أن نسبة الكفر إلى سليمان التي علمت من النفي لا تستلزم أن تكون صحيحة لأنها ذكرت في القرآن و لو لم يكن ذكرها في سياق النفي.
قال الأستاذ الإمام: بينّا غير مرة أن القصص جاءت في القرآن لأجل الموعظة و الاعتبار لا لبيان التاريخ و لا للحمل على الاعتقاد بجزئيات الأخبار عند الغابرين و إنه ليحكى من عقائدهم الحق و الباطل و من تقاليدهم الصادق و الكاذب و من عاداتهم النافع و الضار لأجل الموعظة و الاعتبار فحكاية القرآن لا تعدو موضع العبرة و لا تتجاوز موطن الهداية» [١] .
هذه هي الفوائد التي جناها العقل الإسلامي بعد أن قطع هذه المرحلة الطويلة الشاقة من التفكير في العلاقة بين القصص القرآني و التاريخ و إنها فوائد لا يدفع خطرها و لا تنكر قيمتها و إن تكن بعد ذلك قاصرة عن أن تحل تلك المشكلة الخالدة التي من أجلها عقدنا هذا الفصل و هي المشكلة القائمة على أساس أن بالقصص القرآني أخطاء من أخطاء التاريخ.
إنها مشكلة خالدة بين المسلمين و المعارضين فالأولون ينكرون هذا القول و يقولون بأن الذي في القرآن هو الحق و أن ما عداه هو الخطأ و لن يحكم التاريخ على القرآن الكريم.
و الآخرون يؤيّدون القول بما وصلوا إليه من علم و معرفة و يذهبون إلى أن هذه الأخطاء هي الدليل كل الدليل على أن القرآن لم ينزل من السماء و أن محمدا ليس بالنبي و أنه الذي
[١] المنار، جـ ١، ص ٣٩٩.