الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٦٦ - المعاني التاريخية
نوحا عليه السلام وضعها في السفينة و أمسكها لأنه عليه السلام إنما جاء لنفيها و كسرها فكيف يمكن أن يقال إنه وضعها في السفينة سعيا منه في حفظها» [١] .
(٣) و بان للعقل الإسلامي أن هذه المحاورة التي يصوّرها القرآن الكريم قائمة بين المولى سبحانه و تعالى و بين عيسى عليه السلام في آخر سورة المائدة لا تفهم على ظاهرها و لا تفسّر على أنها قد وقعت حقا و أنها لا يمكن أن تكون إلا التصوير الأدبي الذي يقصد منه إلى توبيخ النصارى المعاصرين لمحمد عليه السلام. جاء في كتاب تنزيه القرآن عن المطاعن ما يلي: «مسألة. و ربما قيل في قوله تعالى وَ إِذْ قََالَ اَللََّهُ يََا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنََّاسِ اِتَّخِذُونِي وَ أُمِّي إِلََهَيْنِ مِنْ دُونِ اَللََّهِ [٢] . كيف يصح ذلك و عيسى لم يقل ذلك للناس؟و كيف يصح أن يقول و إذ قال اللّه و ذلك يخبر به عن الماضي و لم يتقدم ذلك منه تعالى في الدنيا؟
و جوابنا أن ذلك من اللّه تعالى على وجه التوبيخ و التقريع لمن قال ذلك و قد يجوز من الحكيم أن يخاطب بذلك متهما بفعل ليكون ردعا و توبيخا لمن فعل و اللّه تعالى عالم بالأمور و لا يصح الاستفهام عليه فالمراد ما ذكرنا فقد كان فيهم من يزعم أن عيسى صلّى اللّه عليه و سلّم أمرهم بأن يتخذوا إلهين فيعبدوهما و يطيعوهما كطاعة المرء للّه و لذلك قال بعده إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ [٣] .
(٤) و بان للعقل الإسلامي أن وصف عيسى عليه السلام بأنه رسول اللّه في قول اليهود الذي حكاه عنهم القرآن في قوله تعالى وَ قَوْلِهِمْ إِنََّا قَتَلْنَا اَلْمَسِيحَ عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اَللََّهِ [٤] لا يمكن أن يفهم على أنه قد صدر حقا عن اليهود فهم لم ينطقوا بهذا الوصف و إنما القرآن هو الذي أنطقهم به ذلك لأن وصفه بالرسالة ليس إلا التسليم بأنه رسول اللّه و هم لم يسلموا بهذا و لو سلموا بها لأصبحوا مسيحيين و لما كان بينهم و بينه أي لون من ألوان العداء و لما كان قتل و صلب. إن اليهود إنما يتهمون عيسى بالكذب و ينكرون
[١] الرازي، جـ ٨، ص ٢٣٢.
[٢] سورة المائدة، الآية ١١٦.
[٣] تنزيه القرآن عن المطاعن، ص ١١٥، نفس السورة و الآية.
[٤] سورة النساء، الآية ١٥٧.