الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٤٤٩ - مصادر القصص القرآني
الأخرى و تريك كل واحد منها الحركة التي تنفحه القدرة على القيام بدوره باقتدار حتى النهاية و قد تتمثّل الصياغة الفنية في رسم عنصر أو عناصر من جوانب مختلفة و من زوايا متباينة و مواطن مختلفة حتى يستقل كل رسم بطابعه الخاص و شخصيته المتميّزة. و إذ لم يدرك المفسّرون هذا الصنيع الفني قالوا بالتكرار و هذا غير صحيح لأنه ليس من التكرار في شيء بل هو دليل على أن مبدعه ذو قدرة باهرة و قوة فائقة لأنه اللّه جلّ جلاله.
و من هنا جاء تحديده لهم بأن يأتوا بمثله أو بعشر سور أو بسورة.
و قد تتمثل العملية الفنية في تخليص العناصر التاريخية من أشخاص و أحداث من معانيها التاريخية و في تحميلها بالعواطف الإنسانية أو بالمعاني الدينية و الخلقية و الاجتماعية.
و شرحها يضطر المؤلّف إلى مسّها مسا خفيفا عند الأصوليين ثم ينتهي منه إلى أن الغلط كله في الوقوف على المعاني الأولى و شرح الكلمات اللغوية و تبني مواضع الإعراب و أن الفهم الدقيق للنصوص الأدبية إنما يكون في الوقوف على ما انطوت عليه من أسرار الفصاحة و البلاغة أي من فن أدبي جميل.
أما النقّاد و الأدباء فيرون أن الفضل و المزية في الأدب إنما يكون بإيحاءات أدبية و إثارات فنية يحملها اللفظ و لا يعد الأدب أدبا و لا الفن فنا إلا بما فيهما من صور صادقة التعبير قوية التأثير. هم إذن كشفوا في الأدب و الفن عن سر الإعجاز و لا يرونه في المعاني الأولى بل في المعاني الثانية أي فيما تحمل من عواطف و تستثير من انفعالات و يرى المؤلّف أنه فيما يخص المواد الأدبية في القصص القرآني هي هذه:
هل قصد القرآن من عرضه لهذه المواد-أحداثا و أشخاصا-الدلالة الأولى أي فائدة الخبر بتعبير البلاغيين أم هو قصد شيئا آخر وراءه أي قصد المعاني الثانية؟
الإجابة عند خلف اللّه أنه قصد إلى المعاني الثانية: الأدبية، البلاغية، استثارة العواطف و لم يقصد أبدا إلى المعاني الأولى فهو لم يرد تعليم الناس التاريخ أو شيئا من أحداثه. و إذ أن العواطف و الانفعالات تختلف من موطن لآخر فإن القرآن يصنع من هذه المواد ما يصنعه الأدب و الفن دائما بالألفاظ و يستخرج من المواد الأدبية القصصية معاني أدبية تشبه استخراجه المعاني المجازية من المعاني الحقيقية.