الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٤٠٨ - الفن في القصة القرآنية
أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنََّاسِ... [١] لأن انقلاب العصا إلى ثعبان مبين لا يقوم على اعتبار بلاغي عاطفي إنما أراد القرآن منه تقديم صورة يشيع فيها الخوف من كل جانب ثم ينتقل إلى القصة التي وردت في سورة طه التي نزلت تسلية للنبي عليه السلام و من هنا جاء عرض القصة فيها عرضا هينا يدفع إلى النفس الثقة و الاطمئنان و يدفع عنها الهم و الحزن و من هنا كان اختيار الحية أليق بالمقام بخلاف ما جاء في سورة الشعراء من أنها ثعبان مبين لأن الموقف فيها موقف تحيّر و تحدّ و طلب بيّنة.
و النتيجة التي ينتهي إليها هي أن العنصر القصصي الواحد يعرض في صور مختلفة تناسب السياق و يلحظ فيها القصد و الغرض تحقيقا للمنطق العاطفي و أن القرآن يعمد إلى التصوير الأدبي الفني لا التعليمي التاريخي (و ليس بعد ذلك دلالة على أن القصة التاريخية في القرآن قصة أدبية) .
ثم يورد المؤلّف الآيات ٢١ و ما بعدها من سورة الكهف و هي الأجزاء القصصية الخاصة بأصحاب الكهف للدلالة على أن القصة التاريخية في القرآن قصة أدبية تصوّر الأحداث كما يعتقدها المخاطبون و هو ما أجازه بعض الأقدمين و رأى البعض الآخر أنه لازم ليسلم القرآن من المطاعن و يستقيم أسلوبه الأدبي في القص و كذلك الآيات من ٨٣ إلى ٩٨ من السورة ذاتها و هي التي تحكي قصة ذي القرنين ثم يعقبه بما أطلق عليه (صنيع الأقدمين) :
البعض فيما رواه الطبري يرى أن القرآن الكريم صوّر قصة أصحاب الكهف طبقا لآراء أهل الكتاب و هذا يتضح من جهة عددهم في قوله عزّ ذكره وَ لاََ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً [٢] أي لا تستفت في عدّتهم من أهل الكتاب أحدا لأنهم لا يعلمونها و إنما قولهم فيهم رجما بالغيب لا يقينا من القول و عن المدة فإن ما ورد في السورة بشأنها (٣٠٩ سنة) هو خبر من اللّه تعالى عن أهل الكتاب و من ذهب إلى ذلك كما جاء في الطبري استشهد
[١] سورة المائدة، الآية ١١٦.
[٢] سورة الكهف، الآية ٢٢.