الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٨٢ - الأدب و التاريخ
و إخبارهم إياه أنهم رسل ربّه، و إخباره بمجيء العذاب و موعده، ثم نوع العذاب. فهنا نلحظ أن المحاورة بينه و بين قومه تتم قبل أن تخبره الملائكة بأنهم رسل ربّه و القصة تجري بعد ذلك و قد رتّبت وقائعها الترتيب الذي يشعر بأن الزمن هو المحور الذي يربط هذه الوقائع المختارة أو هذه الأحداث المصوّرة. أما في سورة الحجر فتعلّمه الملائكة كل شيء قبل مجيء قومه و مع ذلك تمضي المحاورة مع قومه و كأنه لم يعلم بأن أضيافه من الملائكة. و ليس يخفى أن هذا بعيد عن الوقائع و مشاكلته قريب من القصص و ما فيه من حرية تؤذن للقاص بأن يرتّب أحداثه الترتيب الذي يصل إلى الغرض و يؤدي إلى الأهداف.
(٤) إسناده بعض الأحداث لأناس بأعيانهم في موطن ثم إسناده الأحداث نفسها لغير الأشخاص في موطن آخر و من ذلك قوله تعالى في سورة الأعراف قََالَ اَلْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هََذََا لَسََاحِرٌ عَلِيمٌ [١] إذ نراه في سورة الشعراء مقولا على لسان فرعون نفسه قََالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هََذََا لَسََاحِرٌ عَلِيمٌ [٢] . و كذلك تجد في قصة إبراهيم من سورة هود أن البشرى بالغلام كانت لامرأته بينما نجد البشرى لابراهيم نفسه في سورة الحجر و في سورة الذاريات.
(٥) إنطاقه الشخص الواحد في الموقف الواحد بعبارات مختلفة حين يكرّر القصة و من ذلك تصويره لموقف الإله من موسى حين رؤيته النار فقد نودي في سورة النمل بقوله فَلَمََّا جََاءَهََا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي اَلنََّارِ وَ مَنْ حَوْلَهََا [٣] و في سورة القصص فَلَمََّا أَتََاهََا نُودِيَ مِنْ شََاطِئِ اَلْوََادِ اَلْأَيْمَنِ فِي اَلْبُقْعَةِ اَلْمُبََارَكَةِ مِنَ اَلشَّجَرَةِ أَنْ يََا مُوسىََ إِنِّي أَنَا اَللََّهُ رَبُّ اَلْعََالَمِينَ [٤] و في سورة طه فَلَمََّا أَتََاهََا نُودِيَ يََا مُوسىََ*`إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوََادِ اَلْمُقَدَّسِ طُوىً [٥] . و ذلك يشبه تصويره للموقف الواحد بعبارات مختلفة حين صوّر
[١] سورة الأعراف، الآية ١٠٩.
[٢] سورة الشعراء، الآية ٣٤.
[٣] سورة النمل، الآية ٨.
[٤] سورة القصص، الآية ٣٠.
[٥] سورة طه، الآيتان ١١-١٢.