الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٦٩ - المعاني التاريخية
أما إن هذه الأخبار من المعجزات فأمر أعاد العقل الإسلامي التفكير فيه و انتهى به هذا التفكير إلى أن هذه الأخبار لم تكن فيما هو الواضح من آيات القرآن مناط الرد على المشركين من أهل مكة و لا موطن التحدي حتى يصح القول بأنها إحدى المعجزات.
فكر العقل الإسلامي في هذه الأخبار فرأى أولا أن الكثير منها كان معروفا بالجزيرة العربية قبل البعثة المحمدية و معروفا المعرفة التي جعلت المفسّرين يعلّلون بلاغيا بهذه المعرفة التركيب القصصي القرآني أَ لَمْ تَرَ . جاء في الرازي عند تفسيره لقوله تعالى أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعََادٍ... [١] إلخ. من سورة الفجر ما يلي: «أ لم تر أ لم تعلم لأن ذلك مما لا يصح أن يراه الرسول و إنما أطلق لفظ الرؤية هاهنا على العلم و ذلك لأن أخبار عاد و ثمود و فرعون كانت منقولة بالتواتر. أما عاد و ثمود فقد كانا في بلاد العرب. و أما فرعون فقد كانوا يسمعونه من أهل الكتاب و بلاد فرعون أيضا متّصلة بأرض العرب و خبر التواتر يفيد العلم الضروري و العلم الضروري جار مجرى الرؤية في القوة و الجلاء و البعد عن الشبهة فلذلك قال أ لم تر بمعنى أ لم تعلم» [٢] . و هذه المعرفة تجعل من غير شك أمثال هذه. الأخبار غير صالحة لأن تكون موطن التحدي أو دليل الإعجاز.
و فكّر العقل الإسلامي في هذه الأخبار فرأى ثانيا أن تلك الأقاصيص التي يعتمد عليها القرآن في الإيحاء بنبوة النبي و صدق رسالته لا تشتمل على أخبار يستحيل معرفتها و هي على العكس من ذلك أخبار معروفة لدى أهل الكتاب و إذا كان هناك من استحالة فإنها الاستحالة العادية التي تقوم على أمية النبي محمد عليه السلام أو تقوم على التفصيلات الدقيقة لهذه الأخبار جاء في كتاب تنزيه القرآن عن المطاعن «مسألة: و ربما قيل في قوله ذََلِكَ مِنْ أَنْبََاءِ اَلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ . كيف يصح ذلك و قد كان هذا الخبر موجودا عند النصارى و غيرهم؟
و جوابنا أنه صلّى اللّه عليه و سلّم لم يخالطهم مخالطة يقف بها على تفصيل هذه الأمور و كان كسائر العرب فبيّن تعالى أنه قد خصّه بهذا الغيب ليعرف به صحة نبوته و لذلك قال:
[١] سورة الفجر، الآية ٦.
[٢] الرازي، جـ ٨، ص ٤٢٣.
غ