الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٤٤٦ - مصادر القصص القرآني
موازناتهم يجب ألا تتم حتى يثبت أن القرآن الكريم قد قصد معاني الأخبار التاريخية حين يعرضها و أنه اختار من الأشخاص و الأحداث و الحوار باعتبار أنها الحق الذي يتمشى مع المنطق التاريخي أما و أن القرآن لم يقصد من قصصه نشر وثائق تاريخية أو إعطاء درس في التاريخ فلا قيمة إذن لموازناتهم.
أولى المسائل أن مسلك القرآن الكريم و مسلك التوراة متباينان فلم يقص أخبار الأنبياء كما فعلت هي إنما اختار بعضها و أعرض عن بعض و عند الاختيار راعى حال دعوة الإسلام و موقف نبيه من قومه. و هناك عامل فارق بين الكتابين المقدّسين و هو عامل الزمن فقد كان أساسيا في التوراة و ليس كذلك في القرآن و هي تغيت التأريخ و هو هدف إلى العظة، العبرة، الهداية، الإرشاد، الترهيب، الترغيب، النذارة، البشارة، شرح مبادئ الدعوة، الرد على المناوئين، تثبيت قلب النبي عليه السلام و تبعه... إلخ.
أما ثانيهما فهي أن أولئك الذين اختارهم القرآن ليكونوا مواد قصصه هم من خارج البيئة العربية مثل المصريين و العبريين و السبئيين و الإغريق و الرومان... إما منها أو أرسلوا إلى أهلها و وقعت الأحداث في تلك البلاد و تحاوروا فيما بينهم و مع من أرسلوا إليهم بلغات هذه الأقاليم بل جرى الحوار أحيانا بلغات قد لا نعرفها و لا يستطيع عقلنا القاصر (هكذا!) أن يتصوّرها مثل لغة حديث الخالق جلّ و علا إلى الملائكة و إبليس في قصة خلق آدم و لغة حديث إبليس إلى آدم في قصة خروجه من الجنة. إنها الأمور التي لا نعرف منها إلا الفروض الخيالية و خلف اللّه هنا يتقمص شخصية أبي حامد الغزالي و يردّد ما سطره في كتابه (المستصفى) .
كل واحد من الأنبياء كان معروفا في بيئته و تقص أخباره على بنيها و تنقلها لجيرتها و هذه أمور طبيعية و ليست من الغيب الذي لا يعرفه إلا من أطلعه اللّه عليه. بيد أن الذي يود الباحث معرفته هو صلة هذه الأقاصيص بالبيئة العربية عامة و المكية خاصة قبل البعثة المحمدية و قبل نزول القرآن أي هل كانت تلك البيئة تعرف أمر أولئك الرسل أم تجهله؟ثم ينتهي خلف اللّه إلى أن إجابة هذا السؤال خطيرة لأنها ستحدّد المسائل الآتية:
١-يتساءل عن المصدر الذي صدرت عنه العناصر القصصية في القرآن الكريم