الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٣١٨ - ثانيا-الحوادث
عِنْدِكَ وَ مََا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شََاءَ اَللََّهُ مِنَ اَلصََّالِحِينَ*`قََالَ ذََلِكَ بَيْنِي وَ بَيْنَكَ أَيَّمَا اَلْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلاََ عُدْوََانَ عَلَيَّ وَ اَللََّهُ عَلىََ مََا نَقُولُ وَكِيلٌ [١] .
فنحن نلحظ في الجزء الأول و هو الخاص بورود موسى ماء مدين استعمال الفعلين المضارعين يَسْقُونَ و تَذُودََانِ للدلالة على الحركة و لتصوير الأحداث حتى لكأنها حاضرة مشاهدة، و ليس ذلك إلا لأنهما الفعلان الدالان في هذا الجزء من الآية على ما سيقع و كأنهما ينبّهاننا إلى أن هذه الأحداث هي التي تهم موسى و لقد كانت هي التي استثارته فعلا، فالناس يسقون و هاتان تذودان و لذا تقدّم إلى الفتاتين قائلا مََا خَطْبُكُمََا و أظنك تلحظ معي ما في هذا اللفظ من عنف و جزالة و ما فيه من دلالة على تلك الخواطر التي ألمّت بذهن موسى، و إني لأحسّ منه الغضب على أولئك الذين يسبقون الفتاتين إلى السقيا.
و تنطق الفتاتان بهذه الجملة التي تدل على ما في الأنثى من ضعف و حياء يدفعانها إلى التخلّف في مثل هذه المواقف التي يكثر فيها التزاحم و يختلط فيها النساء بالرجال لاََ نَسْقِي حَتََّى يُصْدِرَ اَلرِّعََاءُ و بهذه الجملة التي تستثير الرحمة و تستمطر الحنان وَ أَبُونََا شَيْخٌ كَبِيرٌ . إنها لألفاظ سهلة لينة تداعب رقّتها الآذان و القلوب و إنها الجمل التي تنطق بها الأنثى و الأنثى ليس غير ما في ذلك شك أو جدال.
و يأتي جزء آخر دال على الحركات الخاطفة السريعة التي يأتي بها الإنسان ليصل إلى ما وراءها فَسَقىََ لَهُمََا ثُمَّ تَوَلََّى إِلَى اَلظِّلِّ و نلحظ موسى هنا و في هذا الظل متراخيا منهوك القوى مستسلما ضارعا رَبِّ إِنِّي لِمََا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ . و تمشي الجملة مع هذه الضراعة و يطل الشعور الديني من وراء النداء و من التصريح بالفقر و الحاجة إلى الخير أمام الغني الكبير.
على أن المقام بموسى لن يطول فَجََاءَتْهُ إِحْدََاهُمََا تَمْشِي عَلَى اِسْتِحْيََاءٍ ألا ما أعذب هذه الجملة و ما أخف وقعها على الأسماع و القلوب، و ما أقدرها على تصوير
[١] سورة القصص، الآيات ٢٣-٢٨.