الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٣١٤ - ثانيا-الحوادث
و خالقه، و الحديث بين المستضعفين و المستكبرين مما صوّر على أنه سيحدث في الآخرة إن شاء اللّه.
و ننتقل الآن إلى أمر آخر غير طبيعة الأحداث هو الربط بينها أو تسلسلها و لن نعيد هنا مرة ثانية الحديث عن قيد و عدم اهتمام القرآن به بعد أن وضّحنا القصد القرآني عند حديثنا عن القيم التاريخية، و بعد إذ وضعنا قصة لوط بين يدي القارئ لتدل على أن الزمان لم يجعل محورا ترتبط به الأحداث، و إنما سنمضي إلى شيء آخر هو أن القصة القصيرة قد يهتم فيها بالحادثة من حيث تصويرها لتحدث أثرها في النفس و تستثير من الناس الانفعال و ذلك هو الواضح من هذه القصة كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَ عََادٌ بِالْقََارِعَةِ*`فَأَمََّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطََّاغِيَةِ*`وَ أَمََّا عََادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عََاتِيَةٍ*`سَخَّرَهََا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيََالٍ وَ ثَمََانِيَةَ أَيََّامٍ حُسُوماً فَتَرَى اَلْقَوْمَ فِيهََا صَرْعىََ كَأَنَّهُمْ أَعْجََازُ نَخْلٍ خََاوِيَةٍ [١] .
و قد تتابع الأحداث على هذا النسق فتجري سراعا لتستثير الانفعال و تؤثر الأثر المطلوب من ألفة أو نفور و ذلك من مثل قوله تعالى وَ قََارُونَ وَ فِرْعَوْنَ وَ هََامََانَ وَ لَقَدْ جََاءَهُمْ مُوسىََ بِالْبَيِّنََاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي اَلْأَرْضِ وَ مََا كََانُوا سََابِقِينَ*`فَكُلاًّ أَخَذْنََا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنََا عَلَيْهِ حََاصِباً وَ مِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ اَلصَّيْحَةُ وَ مِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنََا بِهِ اَلْأَرْضَ وَ مِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنََا وَ مََا كََانَ اَللََّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَ لََكِنْ كََانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [٢] و ليس معنى هذا أن الأحداث لا ترتبط أصلا برباط الزمن و إنما معناه أن تسلسل الأحداث في القصة يخضع للغرض أو القصد الذي من أجله نزلت القصة، فإن كان التخويف فإنه يقصد إلى الحادثة من حيث هي و يصوّرها لتلقي الرعب في القلوب و تبث الخشية في النفوس.
أما إذا كان تخفيف الضغط العاطفي أو تثبيت قلب النبي جعل المحور الذي تدور حوله الأحداث هو الشخص نفسه، و تصوّر الحادثة على أنها الحادثة التي وقعت له فلم تضعف نفسه و لم توهن عزمه، و إنما مضى حتى كان النصر من عند اللّه و قصة إبراهيم، إلى جانب قصة لوط السابقة، تمثل لنا هذا النوع من تسلسل الأحداث. قال اللّه تعالى وَ لَقَدْ
[١] سورة الحاقة، الآيات ٤-٧.
[٢] سورة العنكبوت، الآيتان ٣٩-٤٠.