الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٢٨ - تصدير
و جاء في النيسابوري جـ ١١ ص ٨٥ هامش الطبري عند تفسيره للآية السابقة ما يلي: «و ذلك إنما حملهم على التكذيب أولا و آخرا وجوه منها أنهم وجدوا في القرآن أقاصيص الأولين و لم يعرفوا المقصود منها فقالوا أساطير الأولين و خفي عليهم أن الغرض منها بيان قدرة اللّه تعالى على التصرّف في هذا العالم و نقل الأمم من العز إلى الذل و بالعكس ليعرف المكلّف أن الدنيا ليست مما يبقى فنهاية كل حركة سكون و غاية كل سكون ألا يكون، كقوله عز من قائل لَقَدْ كََانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي اَلْأَلْبََابِ [١] » .
و يمضي الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده إلى أبعد من هذين حين يقول عند تفسيره لقصة هاروت و ماروت من سورة البقرة ما يلي فيما نقل عنه صاحب المنار جـ ١ ص ٣٩٩ «قال الأستاذ الإمام ما مثاله: بينّا غير مرة أن القصص جاءت في القرآن لأجل الموعظة و الاعتبار لا لبيان التاريخ و لا للحمل على الاعتقاد بجزئيات الأخبار عند الغابرين و إنه ليحكي من عقائدهم الحق و الباطل و من تقاليدهم الصادق و الكاذب و من عاداتهم النافع و الضار لأجل الموعظة و الاعتبار فحكاية القرآن لا تعدو موضع العبرة و لا تتجاوز مواطن الهداية و لا بد أن يأتي في العبارة أو السياق و أسلوب النظم ما يدل على استحسان الحسن و استهجان القبيح.
و قد يأتي في الحكاية بالتعبيرات المستعملة عند المخاطبين أو المحكى عنهم و إن لم تكن صحيحة في نفسها كقوله كَمََا يَقُومُ اَلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ اَلشَّيْطََانُ مِنَ اَلْمَسِّ [٢] و كقوله بَلَغَ مَطْلِعَ اَلشَّمْسِ [٣] و هذا الأسلوب مألوف فإننا نرى كثيرا من كتّاب العربية و كتّاب الإفرنج يذكرون آلهة الخير و الشر في خطبهم و مقالاتهم لا سيما في سياق كلامهم عن اليونان و المصريين القدماء و لا يعتقد أحد منهم شيئا من تلك الخرافات الوثنية...
إذ الواضح أن الأستاذ الإمام يجيز أن يكون في التعبير القرآني قصصا و غير قصص
[١] سورة يوسف، الآية ١١١.
[٢] سورة البقرة، الآية ٢٧٥.
[٣] سورة الكهف، الآية ٩٠.