الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٢٧٠ - البيئة العربية
اقرأ معي هذه الآية: قال تعالى وَ قََالُوا قُلُوبُنََا فِي أَكِنَّةٍ مِمََّا تَدْعُونََا إِلَيْهِ وَ فِي آذََانِنََا وَقْرٌ وَ مِنْ بَيْنِنََا وَ بَيْنِكَ حِجََابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنََا عََامِلُونَ [١] . و قال تعالى وَ لَقَدْ ذَرَأْنََا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ اَلْجِنِّ وَ اَلْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاََ يَفْقَهُونَ بِهََا وَ لَهُمْ أَعْيُنٌ لاََ يُبْصِرُونَ بِهََا وَ لَهُمْ آذََانٌ لاََ يَسْمَعُونَ بِهََا أُولََئِكَ كَالْأَنْعََامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولََئِكَ هُمُ اَلْغََافِلُونَ [٢] و قال تعالى إِنَّمَا اَلْمُؤْمِنُونَ اَلَّذِينَ إِذََا ذُكِرَ اَللََّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَ إِذََا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيََاتُهُ زََادَتْهُمْ إِيمََاناً وَ عَلىََ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [٣] فترى القرآن يصوّر نوعين من الناس: نوع تبلّد منه الحس فعجز عن أن يتأثر بالقرآن الكريم و من هنا صوّره القرآن على أنه قد فقد أدوات الحس التي تنتقل إليه المؤثرات. و نوع قد رهف منه الحس و دق الذوق فانفعل و تأثر حين استمع إلى ما يتلى عليه من كلام اللّه. و أعتقد أنك قد فطنت إلى أن القرآن الكريم يلفت منا الذهن إلى أن القدرة على التأثّر أساس قوي من أسس الاستجابة و أن القدرة على التأثير سر قوي من أسرار الإعجاز.
ثم اقرأ معي هذه الآيات. قال تعالى وَ إِذََا مََا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زََادَتْهُ هََذِهِ إِيمََاناً فَأَمَّا اَلَّذِينَ آمَنُوا فَزََادَتْهُمْ إِيمََاناً وَ هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ*`وَ أَمَّا اَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزََادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَ مََاتُوا وَ هُمْ كََافِرُونَ [٤] .
و أظن أنك قد لمست أن النفوس التي تأثرت قد ذهبت مذهبين: فقوم زادتهم الآيات إيمانا و قوم زادتهم كفرا و قوم استبشرت نفوسهم و قوم ماتوا و هم كافرون. و معنى ذلك أن الاستعداد النفسي في الجماعات له دخل كبير لا على التأثّر فحسب بل على تحويل الانفعالات التي تستثار إلى انفعالات سارة أو انفعالات مؤلمة. و كل ذلك حسب الظروف و المناسبات أو حسب الأهواء و الشهوات.
ثم اقرأ قوله تعالى وَ إِذََا ذُكِرَ اَللََّهُ وَحْدَهُ اِشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ اَلَّذِينَ لاََ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ
[١] سورة فصلت، الآية ٥.
[٢] سورة الأعراف، الآية ١٧٩.
[٣] سورة الأنفال، الآية ٢.
[٤] سورة التوبة، الآيتان ١٢٤-١٢٥.