الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ٢٦١ - البيئة العربية
المعاني الحقيقية و الصنيع هنا هو بعينه الصنيع هناك و أن هذه المواد و هذه الألفاظ في الصنيع الأدبي القرآني سواء.
كان هذا الصنيع الأدبي من القرآن محيرا للقدماء حين لم يتبيّنوا الأسرار الخفية للصور المختلفة التي يعرض فيها القرآن هذه المواد الجزئية حين يحدّث أو يقص عن هذا النبي أو ذاك في هذا الموطن أو ذاك و من هنا شكوا من التكرار و اجتهدوا في تعليله و أخذوا أنفسهم بقاعدة الترادف أو الاتفاق في المعاني و هذا هو الأمر الذي لا نرضاه... و إذا كنا قد ضربنا لك بعض المثل فيما مضى من قصص موسى و غيره فإنا نضع الآن بين يديك هذا المثال.
جاء في كتاب درة التنزيل و غرة التأويل ما يلي قوله تعالى: قََالَ مََا مَنَعَكَ أَلاََّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قََالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نََارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ*`قََالَ فَاهْبِطْ مِنْهََا فَمََا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهََا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ اَلصََّاغِرِينَ [١] . و قال في سورة الحجر: قََالَ يََا إِبْلِيسُ مََا لَكَ أَلاََّ تَكُونَ مَعَ اَلسََّاجِدِينَ*`قََالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصََالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ*`قََالَ فَاخْرُجْ مِنْهََا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ [٢] .
للسائل أن يسأل فيقول إذا كان هذا في قصة واحدة و وقع في كلام اللّه حكاية عما قال إبليس و عما قيل له عند ما كان يظهر من عصيانه فلما ذا اختلفت الحكايتان و المحكى شيء واحد؟
و الجواب ما قلته فيما قبله و أقوله فيما بعده من أن اقتصاص ما مضى إذا لم يقصد به أداء الألفاظ بأعيانها و إنما المقصود ذكر المعاني فإن الألفاظ إذا اختلفت و أفادت المعنى المقصود كان اختلافها و اتفاقها سواء [٣] .
و نعتقد أن الإسكافي قد أحس بأصل المعنى بعد إذ وضع يده على الإشكال و لكنه
[١] سورة الأعراف، الآيتان ١٢-١٣.
[٢] سورة الحجر، الآيات ٣٢-٣٤.
[٣] درة التنزيل، ص ١١٩.
غ