الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ١٨٩ - ٢-القصة التمثيلية
القرآن ما جاء إلا على طرقهم و أساليبهم. كما يلفت ذهننا إلى أن التمثيل يكون بالصور المفروضة التي تتخيل في الذهن أي بالصور التي يخترعها الخيال و أن لهذه الصور قوتها التي قد تكون أوقع في الذهن و آكد في النفس من الصور التي تمثل الحقيقة.
و جاء في الكشاف أيضا عند تفسيره لقوله تعالى وَ مََا قَدَرُوا اَللََّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَ اَلْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ وَ اَلسَّمََاوََاتُ مَطْوِيََّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحََانَهُ وَ تَعََالىََ عَمََّا يُشْرِكُونَ [١] ما يلي: و الغرض من هذا الكلام إذا أخذته كما هو بجملته و مجموعه تصوير عظمته و التوقيف على كنه جلاله لا غير من غير ذهاب بالقبضة و لا باليمين إلى جهة حقيقة أو جهة مجاز و كذلك حكم ما يروى أن جبريل جاء إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم فقال يا أبا القاسم إن اللّه يمسك السموات يوم القيامة على إصبع و الأرضين على إصبع و الجبال على إصبع و الشجر على إصبع و الثرى على إصبع و سائر الخلق على إصبع ثم يهزّهن فيقول أنّا الملك فضحك رسول اللّه صلعم تعجّبا مما قال ثم قرأ تصديقا له وَ مََا قَدَرُوا اَللََّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [٢] الآية. و إنما ضحك أفصح العرب و تعجّب لأنه لم يفهم منه إلا ما يفهمه علماء البيان من غير تصوير إمساك و لا إصبع و لا هز و لا شيء من ذلك و لكن فهمه وقع أول شيء و آخره على الزبدة و الخلاصة التي هي الدلالة على القدرة الباهرة و أن الأفعال العظام التي تتحيّر فيها الأفهام و الأذهان و لا تكتنهها الأوهام هينة عليه هو أنّا لا يوصل السامع إلى الوقوف عليه إلا إجراء العبارة في مثل هذه الطريقة من التخيّل و لا ترى بابا في علم البيان أدق و لا أرق و لا ألطف من هذا الباب و لا أنفع و أعون على تعاطي تأويل المشتبهات من كلام اللّه تعالى في القرآن و سائر الكتب السماوية و كلام الأنبياء فإن أكثره و غلبته تخييلات قد زلّت فيها الأقدام قديما و ما أتى الزلوان إلا من قلة عنايتهم بالبحث و التنقير حتى يعلموا أن في عداد العلوم الدقيقة علما لو قدّروه حق قدره لما خفي عليهم أن العلوم كلها مفتقرة إليه و عيال عليه إذ لا يحل عقدها الموربة و لا يفك قيودها المكربة إلا هو و كم آية من آيات التنزيل و حديث من أحاديث الرسول قد ضيم
[١] سورة الزمر، الآية ٦٧.
[٢] سورة الأنعام، الآية ٩١ و سورة الحج، الآية ٧٤ و سورة الزمر، الآية ٦٧.