الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ١٦٥ - (١) القصة التاريخية
هذه آيات تصوّر موقفا من مواقف الآخرة و تصوّر نزاعا بين المستضعفين و المستكبرين و بين الشيطان و متّبعيه و هي من حيث الزمان لم تقع بعد و لو كان المنطق العقلي يوجب الأمر للواقع و المطابقة وجب أن تصوّر هذه الصورة بالصيغ التي تدل على المستقبل لكن القرآن عدل عن هذه الصورة إلى الصورة التي تدل على أنها وقعت فعلا ذلك لأنه عبّر عن ذلك بالماضي. وَ بَرَزُوا وَ قََالَ اَلشَّيْطََانُ فَقََالَ اَلضُّعَفََاءُ... إلخ. فما هو السر؟
إن الوقوف على السر ليس بالعسير و لا الشاق فالقرآن لا يقصد من هذه الصورة أن يعلم الناس شيئا تتعلق به عقيدة ما أو عمل ما سيحدث بين المستضعفين و المستكبرين في الآخرة أو بين هؤلاء و بين الشيطان فيعرفوا منه حقائق و يتعلموا منه معارف يعتقدونها أو يستعملونها إنما يريد أن يصلح نفوسهم بهدايتها إلى ما ينتظرها في العالم الآخر من مؤاخذة و مسئولية و محاكمة و ما إلى ذلك و هو يصل إلى هذا من الطريق الأدبي البليغ و ما يتبعه من اهتزازات عاطفية و انفعالات نفسية.
إنما يقصد القرآن من هذه الصورة أن يبث الخوف و القلق في نفوس المعاصرين للنبي عليه السلام و أن يصرف المستضعفين عن إتباع المستكبرين و الاستماع إليهم و أن يصرف المستكبرين عن الجري مع الهوى و خلف الشيطان و أنه من أجل ذلك صوّر هذه المحاورة بصورة الأمر الواقع و جاء لها بصيغة الماضي و أنه لم يفعل ذلك إلا لأنه يعلم أن المعاصرين للنبي عليه السلام ينكرون البعث الذي هو حق لا بد من وقوعه و أنه يريد أن يسد عليهم المنافذ و أن يضع المسألة موضع الأمر الذي قد وقع و مضى فجاء بالصيغة الدالة على ذلك و هي صيغة الماضي الذي يؤكد وقوع الفعل أو بعبارة حديثة صور هذا المنظر بالصورة التي تدل على الإيهام بالواقع.
إن التعبير بالماضي هنا يدل عقليا على الوقوع قبل زمن الكلام و يدل عاطفيا أو بلاغيا أدبيا أو فنيا على حقيقة الحدث و أنه لا بد كائن و لا مفر فالدلالة الأولى حين تراد يكون ذلك منطق العقل و يحكم عليه بالصدق الخلقي و العقلي أو قسميه و هو ما ليس من مراد القرآن فلا محل للمؤاخذة به. غ