الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ١٦٣ - (١) القصة التاريخية
و لعل هذه الروح هي التي سادت ما ورد في السورة من قصص و من هنا بنيت بناء متشابها و اتّفقت في كثير من مواد هذا البناء.
و نستطيع أن ننتهي من هذه الفقرة إلى القول بأن المنطق العاطفي هو الذي يسود القصة التاريخية في القرآن الكريم من حيث الاختيار أو بتعبير الأقدمين من حيث الذكر و الحذف و ليس هذا فحسب بل هو الذي يسودها من حيث الترتيب أو باصطلاح القدماء من حيث التقديم و التأخير. و ليس هذا فحسب بل من حيث التصميم و البناء و معنى ذلك أن القصص التاريخي في القرآن قصص أدبي أولا و أخيرا و هكذا يكون معجزة بلاغية قولية تفهم بأضواء الدرس الفني.
عرضنا عليك في الفقرات السابقة أمورا تدل على أن القصة التاريخية ليست عرضا تاريخيا تطلب فيه المطابقة الواقعية المحققة للصدق العقلي و إنما هي عرض أدبي يطلب فيه التأثير و قوة الوقع ليتحقق به الصدق الفني أو الأدبي و يكون التوجيه نحو الغاية المبتغاة و انتهينا إلى أن القصة التاريخية في القرآن قصة أدبية يقصد منها غير ما يقصد من التاريخ و تعرض غير ما يعرض التاريخ و تثبت غير ما يثبت التاريخ و شرحنا كل ذلك شرحا اعتمدنا فيه على العلاقات التي تقوم بين المواد القصصية المتعددة من حيث اختيار بعض المواد دون بعضها الآخر أو باصطلاح الأقدمين من حيث الذكر و الحذف و من حيث الإيجاز و الإطناب. ثم من حيث ترتيب المواد المختارة أو المنتقاة أو بعبارة الأقدمين من حيث التقديم و التأخير و كان كل ذلك في القصة الواحدة. ثم شرحنا بعض ذلك شرحا اعتمدنا فيه على العلاقات بين القصص المختلفة من حيث التصميم أو الصوغ و التركيب و ذلك في القصص التي تختلف عناصرها أو مواد بنائها و لاحظنا أن كل هذه الأمور توجّه على ما يحقق القصد و الغرض و أن الذي يسودها هو الجو العاطفي و أن الذي ينظّمها هو منطق العاطفة و الوجدان و أنها لكل هذا قصة أدبية و عمل فني رائع معجز.
و الآن نريد أن ننظر في أمر آخر هو موقف القرآن من العنصر القصصي الواحد.
لننظر سويا في هذه العناصر: