الفن القصي في القرآن الكريم - خَلَف الله، محمد - الصفحة ١٥٨ - (١) القصة التاريخية
١٥٨
صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْ لاََ أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جََاءَ مَعَهُ مَلَكٌ... [١] إلخ. و قال في الختام وَ كُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبََاءِ اَلرُّسُلِ مََا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤََادَكَ... [٢] إلخ.
و حرص القرآن أيضا على أن يشعرنا بأن الضيق يجيء للنبي من حرصه على هداية قومه و موقفهم منه. كما صرّح بأن السبب في قصص سورة هود إنما هو تثبيت فؤاده و من هنا كان يعني بما ينال الرسل من أذى و ما يشعرون به من ضيق.
أما القصد من قصة لوط في الحجر فقد كان بيان ما ينزل بالمكذّبين من أذى و من هنا حرص القرآن على أن يجعل الملائكة تعلن عن نفسها و تخبر لوطا بما سيحل بالقوم من مصائب و ما سينزل عليهم من عذاب. و هذا هو الذي يتلاءم و حالة النبي محمد عليه السلام و هو ما صرّح به القرآن في ختام سورة الحجر حين قال فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ* `عَمََّا كََانُوا يَعْمَلُونَ*`فَاصْدَعْ بِمََا تُؤْمَرُ وَ أَعْرِضْ عَنِ اَلْمُشْرِكِينَ*`إِنََّا كَفَيْنََاكَ اَلْمُسْتَهْزِئِينَ* `اَلَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اَللََّهِ إِلََهاً آخَرَ... [٣] إلخ.
فالحرص على العذاب الذي ينزل بأقوام الرسل هو المقصود من القصة و هو الذي يتلاءم مع ذلك القسم الأخير و مع إعلان حماية اللّه للنبي و طلبه منه أن يعرض عن المشركين و أنه سيكفيه هؤلاء و أنهم سيعلمون عاقبة هذا الموقف و مغبّة هذا الأمر.
و هكذا تجد أن ترتيب هذه الأحداث يقوم على أساس غايته تحريك العاطفة و يؤدي نتيجة بغيتها هز العقول و الأفهام. و كل هذا هو ما نطلق عليه اليوم منطق العاطفة و الوجدان.
و لقد كان هذا الاختلاف في أسلوب القرآن و طريقة بناء القصة من حيث ترتيب الأحداث محيرا للقدماء حين أشكل الأمر عليهم فذهبوا إلى أن هذه الحادثة في هذا الموطن هي التي ذكرت في ذلك.
[١] سورة هود، الآية ١٢.
[٢] نفس السورة، الآية ١٢٠.
[٣] سورة الحجر، الآيات ٩٢-٩٦.