الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٥٧٥ - غنى هو و معبد و ابن سريج على أبي قبيس فعفا الوالي عنهم بعد الأمر بنفيهم
قيل كان الغريض أشجى غناء من ابن سريج
قال إسحاق: و سمعت جماعة من البصراء عند أبي يتذاكرونهما، فأجمعوا على أن الغريض أشجى غناء، و أنّ ابن سريج أحكم صنعة.
غنّى الناس بجمع فحسبوه من الجنّ
قال إسحاق و حدّثني أبو عبد اللّه الزّبيريّ قال حدّثني بعض أهلي قال: حججنا فلمّا كنّا بجمع [١] سمعنا صوتا لم نسمع أحسن منه و لا أشجى، فأصغى الناس كلّهم إليه تعجّبا من حسنه، فسألت: من هذا الرجل؟ فقيل لي:
الغريض، فتتابع جماعة من أهل مكّة فقالوا: ما نعرف اليوم أحسن غناء من الغريض، و يدلّك على ذلك أنه يعترض بصوته الحاجّ و هم في حجّهم فيصغون إليه. فسألوا الغريض عن ذلك، فقال: نعم، فسألوه أن يغنّيهم فأجابهم، و خرج فوقف حيث لا يرى و يسمع صوته فترنّم و رجّع صوته و غنّى في شعر عمر بن أبي ربيعة:
أيّها الرائح المجدّ ابتكارا
قد قضى من تهامة الأوطارا
فما سمع السامعون شيئا كان أحسن من ذلك الصوت، و تكلّم الناس فقالوا: طائفة من الجنّ حجّاج.
نسبة هذا الصوت
صوت
أيّها الرائح المجدّ ابتكارا
قد قضى من تهامة الأوطارا [٢]
من يكن قلبه الغداة خليّا
ففؤادي بالخيف أمسى معارا [٣]
ليت ذا الحجّ كان حتما علينا
كلّ شهرين حجّة [٤] و اعتمارا
/ عروضه من الخفيف. الشعر لعمر بن أبي ربيعة. و الغناء لابن محرز، و لحنه من القدر الأوسط من الثقيل الثاني بالخنصر في مجرى الوسطى. و فيه لحن للغريض من رواية حمّاد عن أبيه.
غنى هو و معبد و ابن سريج على أبي قبيس فعفا الوالي عنهم بعد الأمر بنفيهم
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ و إسماعيل بن يونس قالا حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثني إسحاق بن إبراهيم قال:
بلغني أن معبدا و ابن سريج و الغريض اجتمعوا بمكّة ذات ليلة فقالوا: هلمّ نبك أهل مكّة، و وجدت هذا الخبر بغير إسناد مرويّا عن يونس الكاتب: أنّ أميرا من أمراء مكّة أمر بإخراج المغنّين من الحرم، فلمّا كان في الليلة التي عزم بهم على النّفي في غدها اجتمعوا على أبي قبيس- و كان معبد قد زارهم- فبدأ معبد فغنّى- كذا روي عن يونس و لم يذكره الباقون:
[١] جمع: المزدلفة و هو مبيت الحاج و مجمع الصلاة إذا صدروا من عرفات، و هو المشعر الحرام.
[٢] تقدمت هذه الأبيات مع شرحها في الجزء الأول من «الأغاني» طبع دار الكتب ص ١٦٧.
[٣] في ب، س، ح. «مطارا».
[٤] الحجة (بالكسر): المرة من الحج و هو شاذ لأن قياس المرة على فعله بفتح الفاء.