الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٠١ - حبس النعمان لعدي بن زيد و ما خاطب به عدي النعمان من الشعر
بك ما فعل، فقد كنت أخبرك أن معدّا لا ينام كيدها و مكرها و أمرتك أن تعصيه فخالفتني، قال: فما تريد؟ قال: أريد ألّا تأتيك فائدة من مالك و أرضك إلا عرضتها عليّ ففعل. و كان ابن مرينا كثير المال و الضّيعة، فلم يكن في الدهر يوم يأتي إلا على باب النعمان هدية من ابن مرينا، فصار من أكرم الناس عليه حتى كان لا يقضي في ملكه شيئا إلا بأمر ابن مرينا، و كان إذا ذكر عديّ بن زيد عند النعمان أحسن الثناء عليه و شيّع [١] ذلك بأن يقول: إن عديّ بن زيد فيه مكر و خديعة، و المعدّيّ لا يصلح إلا هكذا. فلما رأى من يطيف بالنعمان منزلة ابن مرينا عنده لزموه و تابعوه، فجعل يقول لمن يثق به من أصحابه: إذا رأيتموني أذكر عديّا عند الملك بخير فقولوا: إنه لكذلك، و لكنه لا يسلم عليه/ أحد و إنه ليقول: إنّ الملك- يعني النعمان- عامله، و إنه هو ولّاه ما ولّاه، فلم يزالوا بذلك حتى أضغنوه عليه، فكتبوا كتابا على لسانه إلى قهرمان [٢] له ثم دسّوا إليه حتى أخذوا الكتاب منه و أتوا به النعمان فقرأه فاشتدّ غضبه، فأرسل إلى عديّ بن زيد:
حبس النعمان لعديّ بن زيد و ما خاطب به عديّ النعمان من الشعر
عزمت عليك إلّا زرتني فإنّي قد اشتقت إلى رؤيتك، و عديّ يومئذ عند كسرى، فاستأذن كسرى فأذن له. فلما أتاه لم ينظر إليه حتى حبسه في محبس لا يدخل عليه فيه أحد، فجعل عديّ يقول الشعر و هو في الحبس، فكان أوّل ما قاله و هو محبوس من الشعر:
ليت شعري عن الهمام و يأتي
ك بخبر الأنباء عطف السّؤال
أين عنّا إخطارنا [٣] المال و الأنف
س إذ ناهدوا [٤] ليوم المحال [٥]
و نضالي في جنبك الناس يرمو
ن و أرمي و كلّنا غير آلي [٦]
فأصيب الذي تريد بلا غشّ
و أربي عليهم و أوالي
ليت أنّي أخذت حتفي بكفّيّ
و لم ألق ميتة الأقتال [٧]
محلوا [٨] محلهم لصرعتنا العا
م فقد أوقعوا الرحا بالثّفال [٩]
/ و هي قصيدة طويلة. قالوا و قال أيضا و هو محبوس:
أرقت لمكفهرّ بات فيه
بوارق يرتقين رءوس بشيب
[١] شيّع: اتبع.
[٢] القهرمان: أمين الملك و خاصته فارسيّ معرّب، و يطلق في لغة الفرس على القائم بأمور الرجل كالخازن و الوكيل.
[٣] إخطار المال و النفس: بذلهما و جعلهما خطرا. قال صاحب «اللسان»: و المخطر: الذي يجعل نفسه خطرا لقرن فيبارزه و يقاتله، و ساق في الاستشهاد على هذا المعنى بيت عديّ هذا «أين عنا إخطارنا» البيت.
[٤] المناهدة في الحرب: المناهضة. و في المحكم: المناهدة في الحرب: أن ينهد بعض إلى بعض و هو في معنى النهوض إلا أن النهوض قيام عن قعود، و النهود: نهوض على كل حال. (انظر «المخصص» لابن سيده في ج ٦ و «اللسان» مادة نهد).
[٥] المحال: الكيد أو المكر.
[٦] أي غير مقصر.
[٧] الأقتال: جمع قتل (بالكسر) و هو العدوّ.
[٨] يقال: محل فلان بصاحبه (مثلثة الحاء) إذا سعى به إلى السلطان.
[٩] الثفال بالكسر: الجلد الذي يبسط تحت رحا اليد ليقي الطحين من التراب، و قد يطلق الثفال على الحجر الأسفل من الرحا.