الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٥٦٦ - غنى بشر بن مروان بحضور الشعبي
رقعة حتى أوصلها إليه؛ فكتبت رقعة، فما لبث أن خرج التوقيع على ظهرها: ليس الشعبيّ ممن يحتشم منه فأذن له، فأذن لي فقال: ادخل، فدخلت فإذا بشر بن مروان عليه غلالة [١] رقيقة صفراء و ملاءة تقوم قياما من شدّة الصّقال، و على رأسه إكليل من ريحان، و على يمينه عكرمة بن ربعىّ، و على يساره خالد [٢] بن عتّاب بن ورقاء، و إذا بين يديه حنين بن بلوع معه عوده، فسلمت فردّ [٣] عليّ السلام و رحّب/ و قرّب، ثم قال: يا أبا عمرو، لو كان غيرك لم آذن له على هذه الحال، فقلت: أصلح اللّه الأمير، عندي لك الستر لكل ما أرى منك و الدخول معك فيما لا يجمل، و الشكر على ما توليني؛ فقال: كذلك الظنّ بك، ثم التفتّ إلى حنين و عوده في حجره و عليه قباء خشك [٤] شوي- و قال إسحاق: خشكون [٥]- و مستقة [٦] حمراء و خفّان مكعّبان [٧]، فسلم عليّ؛ فقلت له: كيف أنت أبا كعب، فقال: بخير أبا عمرو؛ فقلت: احزق [٨] الزّير [٩] و أرخ البمّ [١٠] ففعل؛ و ضرب فأجاد؛ فقال بشر لأصحابه: تلومونني على أن آذن له في كل حال! ثم أقبل عليّ فقال: أبا عمرو، من أين وقع لك حزق الزير [١١]؟
فقلت: ظننت أن الأمر هناك، فقال: فإن الأمر كما ظننت هناك كلّه. ثم قال: فمن أين تعرف حنينا؟ فقلت: هذا بطّة أعراسنا فكيف لا أعرفه! فضحك، و غنّى حنين فأجاد فطرب و أمر له بجائزة، ثم ودّعته و قمت بعد أن ذكرت له ما جئت فيه، فأمر لي بعشرة آلاف درهم و عشرة أثواب، فقمت مع الخادم حتى قبضت ذلك منه و انصرفت. و قد وجدت هذا الخبر بخط أبي سعيد السّكّريّ/ يأثره [١٢] عن محمد بن/ عثمان المخزوميّ عن أبيه عن جدّه: أنه كان عند بشر بن مروان يوم دخل عليه الشّعبيّ هذا المدخل و أن حنين بن بلوع غنّاه:
هم كتموني سيرهم حين أزمعوا [١٣]
و قالوا اتّعدنا للرّواح و بكّروا
و هذا القول خطأ قبيح، لأن هذا الشعر للعبّاس بن الأحنف، و الغناء لعلّويه رمل بالوسطى، و غنّي للمأمون فيه فقال: سخروا من أبي الفضل أعزّه اللّه.
[١] الغلالة: شعار يلبس تحت الثوب.
[٢] في أ، م، ء، ط: «خالد بن زياد بن ورقاء» و الصواب ما أثبتناه (راجع «تاريخ ابن جرير الطبريّ» طبع أوروبا قسم ٢ ص ٩٦١ و ٩٦٤- ٩٦٨ و ١٠٠٢.
[٣] في ط: «فردّوا».
[٤] كذا في الأصل. و نطقها بالفارسية: «خشك شقي» و معناها: «القميص الخشن».
[٥] كذا بالأصل و في الفارسية مركبة من كلمتين: «خوش» بمعنى «زاهي» و «كو» بمعنى: «اللون» أي قباء زاهي اللون، و لعله المعنى المراد لأنه أنسب بالمقام.
[٦] كذا في ح. و فيء، أ، م، ط: «منشفة» و في باقي النسخ: «منشة» و هما محرّفان. و التصويب عن كتاب «المعرّب» للجواليقيّ قال: «و أصلها بالفارسية مشته فعرّب». و المستقة: فرو طويل الكم، و قيل: هي الجبة الواسعة. و عن أنس أن ملك الروم أهدى إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم مستقة من سندس فلبسها رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم فكأني أنظر إلى يديها يذبذبان فبعث بها إلى جعفر فقال: ابعث بها إلى أخيك النجاشيّ. و أنشد:
إذا لبست مساتقها غنيّ
فيا ويح المساتق ما لقينا
[٧] مكعبان: موشيان.
[٨] أحزق: أشدد.
[٩] الزير: أرفع أوتار العود، و كانت أربعة في ذلك العهد.
[١٠] البمّ: أغلظ أو تار العود.
[١١] في أ، م: «الوتر».
[١٢] يأثره: يرويه.
[١٣] في أ، م، ء، ط: «ثم فارقوا».