الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٨٧ - خبر شيخ من بني مرة لقى المجنون و شهده ميتا في واد
يوم بطعامه فيوضع له حيث يراه، فإذا تنحّوا عنه جاء فأكل منه. قال: فسألتهم أن يدلّوني عليه، فدلّوني على فتى من الحيّ صديقا له و قالوا: إنه لا يأنس إلا به و لا يأخذ أشعاره عنه غيره، فأتيته فسألته أن يدلّني عليه؛ فقال: إن كنت تريد شعره فكلّ شعر قاله إلى أمس عندي، و أنا ذاهب إليه غدا فإن كان قال شيئا أتيتك به؛ فقلت: بل [أريد [١] أن] تدلّني عليه لآتيه؛ فقال لي: إنه إن نفر منك نفر منّي فيذهب شعره، فأبيت إلا أن يدلّني عليه؛ فقال اطلبه في هذه الصحاري [فإذا رأيته] [١] فادن [منه] [١] مستأنسا و لا تره أنك تهابه، فإنه يتهدّدك و يتوعّدك/ أن يرميك بشيء، فلا يروعنّك و اجلس صارفا بصرك عنه و الحظه أحيانا، فإذا رأيته قد سكن من نفاره فأنشده شعرا غزلا، و إن كنت تروي من شعر قيس بن ذريح شيئا فأنشده إياه فإنه معجب به؛ فخرجت فطلبته يومي إلى العصر فوجدته جالسا على رمل قد خطّ فيه بإصبعه خطوطا، فدنوت منه غير منقبض، فنفر منّي نفور الوحش من الإنس، و إلى جانبه أحجار فتناول حجرا فأعرضت عنه، فمكث ساعة كأنه نافر يريد القيام، فلمّا طال جلوسي سكن و أقبل يخطّ بإصبعه، فأقبلت عليه و قلت: أحسن و اللّه قيس بن ذريح حيث يقول:
ألا يا غراب البين ويحك نبّني
بعلمك في لبنى و أنت [٢] خبير
فإن أنت لم تخبر بشيء علمته
فلا طرت [٣] إلا و الجناح كسير
/ و درت بأعداء حبيبك فيهم
كما قد تراني بالحبيب أدور
فأقبل عليّ و هو يبكي فقال: أحسن و اللّه، و أنا أحسن منه قولا حيث أقول:
كأنّ القلب ليلة قيل يغدى
بليلى العامريّة أو يراح
قطاة عزّها شرك فباتت
تجاذبه و قد علق الجناح
فأمسكت عنه هنيهة، ثم أقبلت عليه فقلت: و أحسن و اللّه قيس بن ذريح حيث يقول:
و إني لمفن دمع عينيّ بالبكا
حذارا لما قد كان أو هو كائن
و قالوا غدا أو بعد ذاك بليلة
فراق حبيب لم يبن و هو بائن
و ما كنت أخشى أن تكون منيّتي
بكفّيك إلا أن من [٤] حان حائن
/ قال: فبكى- و اللّه- حتى ظننت أنّ نفسه قد فاضت، و قد رأيت دموعه قد بلّت الرمل الذي بين يديه، ثم قال: أحسن لعمر اللّه، و أنا و اللّه أشعر منه حيث أقول:
صوت
و أدنيتني حتى إذا ما سبيتني
بقول يحلّ العصم [٥] سهل الأباطح
[١] زيادة في ت.
[٢] كذا في ت، ب. و في سائر النسخ: «فأنت» بالفاء و قد اتفقت جميع النسخ في الروايات الآتية للبيت على الواو.
[٣] كذا في أغلب النسخ. و في س: «فلا عشت».
[٤] كذا وقع هذا الشطر في جميع النسخ، و قد ورد في «الديوان» هكذا: «يكفّي إلا أن ما حان حائن».
[٥] العصم: جمع أعصم و هو الوعل الذي في ذراعيه بياض. و الوعل: تيس الجبل. يريد أن قولها يخلب العصم و يستنزلها من الجبال و هي مساكنها الى الأباطح السهلة.