الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٥٦٣ - خرج إلى حمص و غنى بها فلم يستطعم أهلها غناؤه
الفتيان و مياسير أهل الكوفة و أصحاب القيان و المتطرّبين إلى الحيرة و رأوا رشاقته و حسن قدّه و حلاوته و خفّة روحه استحلوه، و أقام عندهم و خفّ لهم، فكان يسمع الغناء و يشتهيه و يصغي إليه و يستمعه و يطيل الإصغاء إليه، فلا يكاد ينتفع به في شيء إذا سمعه، حتى شدا منه أصواتا فأسمعها الناس- و كان مطبوعا حسن الصوت- و اشتهوا غناءه و الاستماع منه و عشرته، و شهر بالغناء و مهر فيه، و بلغ منه مبلغا كبيرا، ثم رحل إلى عمر بن داود الواديّ و إلى حكم الواديّ، و أخذ منهما، و غنّى لنفسه في أشعار الناس، فأجاد الصّنعة و أحكمها، و لم يكن بالعراق غيره فاستولى [١] عليه في عصره. و قدم ابن محرز حينئذ إلى الكوفة فبلغ خبره حنينا، و قد كان يعرفه، فخشي أن يعرفه الناس فيستحلوه [٢] و يستولي على البلد فيسقط هو، قال له: كم منّتك نفسك من العراق؟
قال: ألف دينار، قال: فهذه خمسمائة دينار عاجلة فخذها و انصرف و احلف لي أنك لا تعود إلى العراق؛ فأخذها و انصرف.
أخبرني عميّ و عيسى بن الحسين قالا حدّثنا أبو أيوب المدائنيّ [٣] عن أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل قال:
/ كان ابن محرز قدم الكوفة و بها بشر بن مروان، و قد بلغه أنه يشرب الشراب و يسمع الغناء، فصادفه و قد [٤] خرج إلى البصرة؛ و بلغ خبره حنين بن بلوع فتلطّف له حتى دعاه؛ فغنّاه ابن محرز لحنه- قال أحمد بن إبراهيم و هو من الثقيل الثاني من جيّد الأغاني-:
صوت
و حرّ الزّبرجد في نظمه
على واضح اللّيت [٥] زان العقودا
يفصّل ياقوته درّه
و كالجمر أبصرت فيه الفريدا [٦]
/ قال: فسمع شيئا هاله و حيّره، فقال له حنين: كم منّتك نفسك من العراق؟ قال: ألف دينار، فقال: هذه خمسمائة دينار حاصلة عاجلة و نفقتك في عودتك و بدأتك ودع العراق لي و امض مصاحبا حيث شئت- قال: و كان ابن محرز صغير الهمّة لا يحبّ عشرة الملوك و لا يؤثر على الخلوة شيئا- فأخذها و انصرف.
خرج إلى حمص و غنّى بها فلم يستطعم أهلها غناؤه
و قال حمّاد في خبره قال أبي حدّثني بعض أهل العلم بالغناء عن حنين قال:
- العرب في الجاهلية يفعلون ذلك في عيد لهم يقال له يوم السباسب قال النابغة:
يحيون بالريحان يوم السباسب
و يظهر أن هذه العادة ظلت إلى العهد الإسلامي، و سيأتي في هذه الترجمة في ص ٣٥٢ أن حنينا حيا ضيوفه بالرياحين.
[١] في ح: «فاستوى» و كلاهما بمعنى واحد.
[٢] كذا في ح. و في سائر النسخ: «فيستحلونه» بإثبات النون و هو خطأ.
[٣] في ح، أ: «المدنيّ» و في م، ء، ط: «المدينيّ» و قد تقدّم الكلام عليه (انظر الحاشية رقم ٢ ص ٨ من هذا الجزء).
[٤] في ب، ح، ء: «قد خرج» بدون واو و كلاهما مستقيم.
[٥] الليت (بسكر اللام): صفحة العنق.
[٦] الفريد: الدر إذا نظم و فصل بغيره.