الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٥٢٧ - توافيهما بحمى ضرية و صلحهما
أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال: لما قال ابن ميّادة:
فضلنا قريشا غير رهط محمد
و غير بني مروان أهل الفضائل
قال له الوليد بن يزيد: قدّمت آل محمد قبلنا [١]، فقال: ما كنت يا أمير المؤمنين أظنّه يمكن غير ذلك. فلما أفضت الخلافة إلى بني هاشم وفد ابن ميّادة إلى المنصور و مدحه؛ فقال له أو جعفر لما دخل إليه: كيف قال لك الوليد؟ فأخبره بما قال، فجعل المنصور يتعجّب.
ابن ميادة و الحكم الخضريّ بعريجاء
أخبرني الحرميّ قال حدّثنا الزبير قال حدّثني عبد اللّه بن إبراهيم الجمحيّ قال: حدّثني العباس بن سمرة بن عبّاد بن شمّاخ بن سمرة عن ريحان بن سويد الخضريّ، و كان رواية حكم بن معمر الخضريّ، قال:
/ تواعد حكم و ابن ميّادة عريجاء- و هي ماءة [٢]- يتواقفان عليها، فخرج كلّ واحد منهما في نفر من قومه، و أقبل صخر بن الجعد الخضريّ يؤمّ حكما، و هو يومئذ عدوّ لحكم لما فرط بينهما من الهجاء في أركوب [٣] من بني مازن بن مالك بن طريف بن خلف بن محارب؛ فلما لقيه قال له: يا حكم، أ هؤلاء [٤] الذين عرّضت للموت! و هم وجوه قومك! فو اللّه ما دماؤهم على بني مرّة إلا كدماء جداية [٥]، فعرف حكم أن قول صخر هو الحقّ فردّ قومه، و قال لصخر: قد وعدني ابن ميّادة أن يواقفني غدا بعريجاء لأن أناشده، فقال له صخر: أنا كثير الإبل- و كان حكم مقلّا- فإذا وردت [٦] إبلي فارتجز، فإن القوم لا يشجعون [٧] عليك و أنت وحدك، فإن لقيت الرجل نحر و أطعم فانحر و أطعم و إن أتيت على مالي كلّه. قال ريحان راويته: فورد يومئذ عريجاء و أنا معه فظلّ على عريجاء و لم يلق رمّاحا و لم يواف لموعده، و ظلّ ينشد يومئذ حتّى أمسى، ثم صرف وجوه إبل صخر و ردّها. و بلغ الخبر ابن ميّادة و موافاة حكم لموعده، فأصبح على الماء و هو يرتجز و يقول:
أنا ابن ميّادة عقّار الجزر
كلّ صفيّ [٨] ذات ناب منفطر
توافيهما بحمى ضرية و صلحهما
/ و ظلّ على الماء فنحر [٩] و أطعم. فلما بلغ حكما ما صنع ابن ميّادة من نحره و إطعامه شقّ عليه مشقّة
[١] في أغلب النسخ بعد هذه الجملة: «صلى اللّه على محمد و على آله» و في نسخة ط زيادة: «و لعنة اللّه على الوليد» و ظاهر أن ذلك كله من زيادات النساخ.
[٢] في «معجم ما استعجم» للبكريّ ص ٦٥٣: «عريجاء»: ماءة معروفة بحمي ضرية و قد أقطعها ابن ميادة المرّيّ من بني ذبيان».
[٣] الأركوب: كالركب و الركبان.
[٤] كذا في ح، ا، م. و في سائر النسخ: «أ هؤلاء الذين عرّضت للموت من أجلهم و هم وجوه قومك الخ» و ليس لكلمة «من أجلهم» موقع.
[٥] الجداية: الظيبة. و في ب، س: «حدأة».
[٦] في ط: «أوردت».
[٧] كذا في أغلب الأصول، و في ط: «لا يسجعون».
[٨] يقال: ناقة صفيّ أي غزيرة اللبن، و الجمع صفايا.
[٩] في جميع الأصول: «فانتحر» و هو تحريف، فإن انتحر إنما يستعمل لازما، يقال: انتحر الرجل أي نحر نفسه و انتحر القوم على كذا أي تشاحوا عليه.