الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٧٢ - خبر نوفل بن مساحق مع المجنون
أ تبكي على ليلى [١] و نفسك باعدت
مزارك من ليلى و شعباكما معا
قال: فنفرت الظباء، و اندفع في باقي القصيدة ينشدها، فما أنسى حسن نغمته و حسن صوته و هو يقول:
فما حسن أن تأتي الأمر طائعا
و تجزع أن داعي الصبابة أسمعا
بكت عيني اليسرى فلما زجرتها
عن الجهل بعد الحلم اسبلتا معا
و أذكر أيام الحمى ثم أنثني
على كبدي من خشية أن تصدّعا
فليست عشيّات الحمى برواجع
عليك [٢] و لكن خلّ عينيك تدمعا [٣]
معي كلّ غرّ قد عصى عاذلاته
بوصل الغواني من لدن أن ترعرعا
إذا راح يمشي في الرداءين أسرعت
إليه العيون الناظرات التطلّعا
قال: ثم سقط مغشيا عليه، فتمثّلت بقوله:
يا دار ليلى بسقط [٤] الحيّ قد درست
إلا الثّمام [٥] و إلا موقد النّار
ما تفتأ الدهر من ليلى تموت كذا
في موقف وقفته أو على دار
أبلى عظامك بعد اللحم ذكركها
كما ينحّت [١] قدح [٧] الشّوحط الباري
فرفع رأسه إليّ و قال: من أنت حيّاك اللّه؟ فقلت: أنا نوفل بن مساحق، فحيّاني فقلت له: ما أحدثت بعدي في يأسك منها؟ فأنشدني يقول:
ألا حجبت ليلى و آلى أميرها
عليّ يمينا جاهدا لا أزورها
و أوعدني فيها رجال أبوهم
أبي و أبوها خشّنت لي صدورها
على غير جرم غير أني أحبّها
و أنّ فؤادي رهنها و أسيرها
قال: ثم سنحت له ظباء فقام يعدو في أثرها حتى لحقها فمضى معها.
حدّثني الحسن بن عليّ قال حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال حدّثني علي بن الصّبّاح عن ابن الكلبيّ
[١] كذا في جميع الأصول. و في ترجمة الصمة القشيريّ في ج ٥ ص ١٣٣ «أغاني» طبع بولاق: «حننت إلى ريا».
[٢] كذا في أغلب النسخ و «ديوان الحماسة». و في «تزيين الأسواق»: «إليك».
[٣] هذا البيت و الأبيات الأربعة قبله أوردها المؤلف على هذا الترتيب في ترجمة الصمة القشيري على أنها الصّمة ثم قال: و هذه الأبيات تروى لقيس بن ذريح و يروى بعضها للمجنون، و الصحيح في البيتين الأوّلين أنهما لقيس بن ذريح و روايتهما أثبت و قد تواترت الروايات بأنهما له من عدّة طرق، و الأخر مشكوك فيها أ هي للمجنون أم للصمة. و أورد أبو عليّ القالي هذه الأبيات الخمسة في جملة أبيات نسبها إلى الصمة القشيري. انظر ج ١ ص ١٩٠ «أمالي القالي» طبع دار الكتب المصرية.
[٤] السقط مثلث السين: حيث انقطع معظم الرمل و رقّ.
[٥] الثمام: نبت في البادية، كان العرب يسدّون به خصاص البيوت، و هو من النبات الذي لا يطول، و لهذا كانوا يقولون للشيء الذي لا يعسر تناوله: «هو على طرف الثمام».
[٦] كذا في جميع الأصول، و لم نجد في «كتب اللغة» التي بأيدينا «نحّت» هكذا مضعفا من هذه المادة، و لعلها ينجّب، يقال: نجّب الشجرة و العود إذا قشر ما عليهما من اللحاء.
[٧] القدح: السهم. و الشوحط: ضرب من النبع تتخذ منه القسيّ، و هو من أشجار الجبال.