الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٥٩٨ - غناء إبراهيم بن أبي الهيثم و الرجل الناسك
/ قدم نصيب الكوفة، فأرسلني أبي إليه، و كان له صديقا، فقال: أقرئه منّي السلام و قل له: إن رأيت أن تهدي لنا شيئا مما قلت! فأتيته في يوم جمعة و هو يصلّي، فلما فرغ أقرأته السلام و قلت له: فقال قد علم أبوك أنّي لا أنشد في يوم الجمعة و لكن تلقاني في غيره فأبلغ ما تحبّ، فلمّا خرجت و انتهيت إلى الباب رددت إليه؛ فقال: أ تروي شيئا من الشعر؟ قلت نعم؛ قال: فأنشدني، فأنشدته قول جميل:
إني لأحفظ غيبكم و يسرّني
لو تعلمين بصالح أن تذكري
الأبيات المتقدّمة، فقال نصيب: أمسك! أمسك! للّه درّه! ما قال أحد إلا دون ما قال، و لقد نحت [١] للناس مثالا يحتذون عليه. ثم قال: أمّا أصدقنا في شعره فجميل، و أمّا أوصفنا لربّات الحجال فكثيّر، و أمّا أكذبنا فعمر بن أبي ربيعة، و أمّا أنا فأقول ما أعرف.
سمع أصوات رهبان في دير فصنع لحنا على مثالها
و قال هارون بن محمد الزيّات حدّثني حمّاد بن إسحاق عن أبيه:
أن الغريض سمع أصوات رهبان بالليل في دير لهم فاستحسنها، فقال له بعض من معه: يا أبا يزيد، صغ على مثل هذا الصوت لحنا؛ فصاغ مثله في لحنه:
يا أمّ بكر حبّك البادي
لا تصرميني إنّني غادي
فما سمع بأحسن منه.
نسبة هذا الصوت
صوت
يا أمّ بكر حبك البادي
لا تصرميني إنّني غادي
جدّ الرحيل و حثّني صحبي
و أريد إمتاعا من الزّاد
/ عروضه من مزاحف الكامل [٢]. الشعر لسعيد [٣] بن عبد الرحمن بن حسّان بن ثابت الأنصاريّ. و الغناء للغريض خفيف ثقيل أوّل بالوسطى. و فيه لابن المكّي ثاني ثقيل بالوسطى عن حبش. و فيه لإبراهيم بن أبي الهيثم هزج.
غناء إبراهيم بن أبي الهيثم و الرجل الناسك
و أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدّثنا عمر بن شبة عن أيوب بن عباية عن عمرو بن عقبة- و كان يعرف بابن الماشطة- قال:
خرجت أنا و أصحاب لي فيهم إبراهيم بن أبي الهيثم إلى العقيق، و معنا رجل ناسك كنا نحتشم منه، و كان محموما نائما، و أحببنا أن نسمع من معنا من المغنّين و نحن نهابه و نحتشمه، فقلت له: إنّ فينا رجلا ينشد الشعر
[١] في ط: «و لقد لحب». و لحب: أوضح و بين.
[٢] كذا في ط و هو الصواب إذ البيتان من الكامل الذي دخل عروضه و ضربه الحذ و هو حذف الوتد المجموع من متفاعلن، و الإضمار و هو إسكان ثانيه. و في باقي الأصول: «مزاحف الرجز» و هو تحريف.
[٣] انظر ترجمته في الجزء السابع ص ١٦٤ من «الأغاني» طبع بولاق.