الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٥٢٨ - استعدى قوم ابن ميادة السلطان على الحكم فأمر بطرده فرحل إلى الشام و مات هناك
شديدة. ثم إنهما بعد توافيا بحمى ضريّة. قال ريحان بن سويد [١]: و كان ذلك العام عام جدب و سنة إلّا بقية كلإ بضريّة. قال: فسبقنا ابن ميادة يومئذ فنزلنا على مولاة لعكّاشة/ بن مصعب بن الزّبير ذات مال و منزلة من السلطان.
قال: و كان حكم كريما على الولاة هناك يتّقى لسانه. قال ريحان: فبينا نحن عند المولاة و قد حططنا براذع دوابّنا إذا راكبان قد أقبلا، و إذا نحن برمّاح و أخيه ثوبان [٢]- و لم يكن لثوبان [٢] ضريب في الشجاعة و الجمال- فأقبلا يتسايران، فلما رآهما حكم عرفهما، فقال: يا ريحان، هذان ابنا أبرد، فما رأيك؟ أ تكفيني ثوبان [٢] أم لا؟
قال: فأقبلا نحونا و رمّاح يتضاحك حتى قبض على يد [٣] حكم و قال: مرحبا برجل سكتّ عنه و لم يسكت عنّي، و أصبحت الغداة أطلب سلمه يسوقني الذّئب [٤] و السنة، و أرجو أن أرعى الحمى بجاهه و بركته، ثم جلس إلى جنب حكم و جاء ثوبان [٢] فقعد إلى جنبي، فقال له حكم: أما و ربّ المرسلين يا رمّاح لو لا أبيات جعلت تعتصم بهنّ و ترجع إليهنّ- يعني أبيات ابن ظالم- لاستوسقت [٥] كما استوسق من كان قبلك. قال ريحان: و أخذا في حديث أسمع بعضه و يخفى عليّ بعضه، فظللنا عند المرأة و ذبح لنا و هما في ذلك يتحادثان، مقبل كلّ واحد منهما على صاحبه لا ينظران شدّنا، حتى كان العشاء فشددنا/ للرّواح نؤمّ أهلنا، فقال رمّاح لحكم: يا أبا منيع- و كانت كنية حكم-: قد قضيت حاجتك و حاجة من طلبت له من هذا العامل، و إن لنا إليه حاجة في أن يرعينا؛ فقال له حكم: قد و اللّه قضيت حاجتي منه و إني لأكره الرجوع إليه، و ما من حاجتك بدّ، ثم رجع معه إلى العامل، فقال له بعد الحديث معه: إن هذا الرجل من قد عرفت ما بيني و بينه، و قد سأل الصلح و أناب إليه، فأحببت أن يكون ذلك على يدك و بمحضرك. قال: فدعا به عامل ضريّة و قال: هل لك حاجة غير ذلك؟ قال: لا و اللّه، و نسي حاجة رمّاح، فأذكرته إياها، فرجع فطلبها و اعتذر بالنسيان. فقال العامل لابن ميّادة: ما حاجتك؟ فقال: ترعيني عريجاء لا يعرض لي فيها أحد، فأرعاه إيّاها. فأقبل رمّاح على حكم فقال: جزاك اللّه خيرا يا أبا منيع، فو اللّه لقد كان ورائي من قومي من يتمنّى أن يرعى عريجاء بنصف ماله. قال فلمّا عزما على الانصراف ودّع كلّ واحد منهما صاحبه و انصرفا راضيين.
استعدى قوم ابن ميادة السلطان على الحكم فأمر بطرده فرحل إلى الشام و مات هناك
و انصرف ابن ميّادة إلى قومه فوجد بعضهم قد ركب إلى ابن هشام فاستغضبه على حكم في قوله:
و ما ولدت مرّيّة ذات ليلة
من الدهر إلا زاد لؤما جنينها
فأطرده [٦] و أقسم لئن ظفر به ليسرجنّه و ليحملنّ عليه أحدهم. فقال رمّاح- و ساءه ما صنعوا-: عمدتم إلى رجل قد صلح ما بيني و بينه و أرعيت بوجهه فاستعديتم عليه و جئتم باطراده! و بلغ الحكم الخبر فطار إلى الشام فلم يبرحها حتى مات.
[١] في جميع الأصول هنا: «سويد بن ريحان» و قد تقدم في أوّل السند كما أثبتناه هنا «ريحان بن سويد» و يؤيد هذا أنه إذا ذكره مجردا من الصفة قال: «ريحان».
[٢] في ط: «ثريان».
[٣] في ب، س: «على حكم».
[٤] في أساس البلاغة مادة ذأب: و أكلتهم الضبع و أكلهم الذئب أي السنة، و أصابتهم سنة ضبع و سنة ذئب على الوصف، و أنشد النضر:
و قد ساق قبلي من معد و طيّئ
إلى الشأم جوحات السنين و ذئبها
[٥] لاستوسقت: لأطعت و انقدت.
[٦] أي أمر بإخراجه و طرده.