الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤١٩ - حكاية خالد بن صفوان مع هشام بن عبد الملك و تذكره قصة النعمان و تنصره
ترابه/ قطع الكافور، و قد كان أعطي فتاء السنّ مع الكثرة و الغلبة و القهر، فنظر فأبعد النظر ثم قال لجلسائه: لمن مثل هذا، هل رأيتم مثل ما أنا فيه! و هل أعطي أحد مثل ما أعطيت! قال: و عنده رجل من بقايا حملة الحجّة، و المضيّ على أدب الحقّ و منهاجه، قال: و لم تخل الأرض من قائم للّه بحجّة في عباده؛ فقال: أيها الملك إنك سألت عن أمر، أ فتأذن في الجواب عنه؟ قال: نعم؛ قال: أ رأيت هذا الذي أنت فيه، أ شيء لم تزل فيه، أم شيء/ صار إليك ميراثا و هو زائل عنك و صائر إلى غيرك كما صار إليك؟ قال: كذلك هو؛ قال: فلا أراك إلا عجبت [١] بشيء يسير تكون فيه قليلا و تغيب عنه طويلا، و تكون غدا بحسابه مرتهنا؛ قال: ويحك! فأين المهرب و أين المطلب؟ قال: إما أن تقيم في ملكك فتعمل فيه بطاعة اللّه ربّك على ما ساءك و سرّك، و أمضّك [٢] و أرمضك [٣]، و إما أن تضع تاجك، و تخلع [٤] أطمارك، و تلبس أمساحك، و تعبد ربك حتى يأتيك أجلك؛ قال: فإذا كان السّحر فاقرع عليّ بابي فإني مختار أحد الرأيين، و ربما قال إحدى المنزلتين، فإن اخترت ما أنا فيه كنت وزيرا لا يعصى، و إن اخترت فلوات الأرض و قفر البلاد كنت رفيقا لا يخالف؛ قال: فقرع عليه عند السّحر بابه فإذا هو قد وضع تاجه، و خلع [٥] أطماره، و لبس أمساحه، و تهيأ للسياحة، فلزما و اللّه الجبل حتى أتاهما أجلهما، و هو حيث يقول عديّ بن زيد أخو بني تميم:
أيّها الشّامت المعيّر بالدّهر أ أنت المبرّأ الموفور أم لديك العهد الوثيق من الأيّام بل أنت جاهل مغرور
من رأيت المنون خلّدن [٦] أم من
ذا عليه من أن يضام خفير
أين كسرى كسرى الملوك أنوشر [٧]
و ان أم أين قبله سابور [٨]
و بنو الأصفر الكرام ملوك الر
وم لم يبق منهم مذكور
و أخو الحضر إذ بناه و إذ دجلة تجبى إليه و الخابور [٩] شاده مرمرا و جلّله كلسا [١٠] فللطير في ذراه و كور
[١] كذا في أغلب الأصول. و في ح: «فلا أراك أعجبت إلا بشيء إلخ». و ذكر في «المصباح»: أن التعجب على وجهين: تعجب على وجه الاستحسان و هذا يقال فيه: أعجبني بالألف. و تعجب بمعنى الإنكار و هذا يقال فيه: عجبت على وزان تعبت. و لكن في «القاموس» ما يدل على أن أعجب الثلاثي يستعمل في الاستحسان كقوله: و أعجب به: عجب و سرّ كأعجبه.
[٢] كذا في م، أ. و في باقي الأصول «و مضّك» هكذا بدون ألف و كلاهما صحيح عربية إلا أن ثعلبا يقدّم «أمضني» و معناهما: أحرقني و شقّ عليّ.
[٣] أرمضك: أوجعك، يقال: أرمضني الأمر أي أوجعني.
[٤] كذا في أغلب النسخ. و في ح: «و تضع أطمارك».
[٥] في ح: «و وضع أطماره».
[٦] كذا في جميع الأصول. و في «لسان العرب» مادة «منّ» بدل خلدن: «عزين». و المنون: الموت و قيل الدهر. قال صاحب «اللسان»: و قد جعله عديّ بن زيد جمعا و أورد هذا البيت. و في «معاهد التنصيص» طبع بولاق ص ١٤١: «جازته» بدل خلدن.
[٧] كذا في أغلب النسخ، و جاء في «لسان العرب» مادة «كلس»: «أبو ساسان» بدل «أنوشروان».
[٨] سابور الجنود و هو ابن أردشير، و سابور ذو الأكتاف و هو سابور بن هرمز و كلاهما من ملوك العجم قبل كسرى أنوشروان.
[٩] الخابور: اسم لنهر كبير بين رأس عين و الفرات من أرض الجزيرة.
[١٠] الكلس: الصاروج و هو النورة و أخلاطها التي تصرّج (تطلي) بها النزل و غيرها و هو بالفارسيّة جاروف عرّب فقيل صاروج و ربما قيل شاروق.