الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٥٦٤ - خرج إلى حمص و غنى بها فلم يستطعم أهلها غناؤه
خرجت إلى حمص ألتمس الكسب بها و أرتاد من أستفيد منه شيئا، فسألت عن الفتيان [١] [بها] [٢] و أين يجتمعون، فقيل لي: عليك بالحمّامات فإنهم يجتمعون بها إذا أصبحوا/ فجئت إلى أحدها فدخلته، فإذا فيه جماعة منهم، فأنست و انبسطت، و أخبرتهم أني غريب، ثم خرجوا و خرجت معهم، فذهبوا بي إلى منزل أحدهم، فلما قعدنا أتينا بالطّعام فأكلنا و أتينا بالشراب فشربنا، فقلت لهم: هل لكم في مغنّ يغنّيكم؟ قالوا: و من لنا بذلك؟
قلت: أنا لكم به، هاتوا عودا فأتيت به، فابتدأت في هنيّات [٣] أبي عبّاد معبد، فكأنّما غنّيت للحيطان لا فكهوا لغنائي و لا سرّوا به، فقلت: ثقل عليهم غناء معبد لكثرة عمله و شدّته و صعوبة مذهبه، فأخذت في غناء الغريض فإذا هو عندهم كلا شيء، و غنّيت خفائف ابن سريج، و أهزاج حكم، و الأغاني التي لي، و اجتهدت في أن يفهموا، فلم يتحرّك من القوم أحد، و جعلوا يقولون: ليت أبا منبّه قد جاءنا، فقلت في نفسي: أرى أنّي سأفتضح اليوم بأبي منبّه فضيحة لم يفتضح أحد قطّ مثلها. فبينا نحن كذلك إذ جاء أبو منبّه، و إذا هو شيخ عليه خفّان أحمران كأنه جمّال، فوثبوا جميعا إليه و سلّموا عليه و قالوا: يا أبا منبّه أبطأت علينا، و قدّموا له الطّعام و سقوه أقداحا، و خنست [٤] أنا حتى صرت كلا شيء خوفا منه، فأخذ العود ثم اندفع يغنّي:
طرب [٥] البحر فاعبري يا سفينه
لا تشقّي على رجال المدينة
فأقبل [٦] القوم يصفّقون و يطربون و يشربون، ثم أخذ في نحو هذا من الغناء؛ فقلت في نفسي: أنتم هاهنا! لئن أصبحت سالما لا أمسيت في هذه البلدة. فلمّا أصبحت شددت رحلي على ناقتي و احتقبت [٧] ركوة من شراب و رحلت متوجّها إلى الحيرة، و قلت:
ليت شعري متى تخبّ بي النا
قة بين السّدير و الصّنّين [٨]
محقبا ركوة [٩] و خبز رقاق
و بقولا و قطعة من نون [١٠]
[١] الفتيان: طائفة يدينون بالفتوة و خصال الرجولة و هم أشدّ الناس احتفالا بالغرباء من الناس و أسرع إلى إطعام الطعام و قضاء الحوائج، فيخدمون بالنهار و يشترون بما يتجمع معهم الفواكه و الطعام فإن ورد في ذلك اليوم مسافر على البلد أنزلوه و كان ذلك ضيافته لديهم و إن لم يرد وارد اجتمعوا هم على طعامهم فأكلوا و غنوا و رقصوا و انصرفوا إلى صناعاتهم بالغدو و قد كان الخليفة الناصر العباسيّ المتوفى سنة ٦٢٢، قد جعل نفسه رئيسا لهذه الطائفة و كتب سنة ٦٠٧ إلى ملوك الأطراف الذين يعترفون بخلافته أن يشربوا كأس الفتوة و يلبسوا سراويلها و أن ينتسبوا إليه برمي البندق (انظر «رحلة ابن بطوطة» طبع باريس ج ٢ ص ٢٦٠ و «رحلة ابن جبير» طبع ليدن ص ٢٨٢، و «تاريخ التمدن الإسلامي» لجرجي زيدان ج ٥ ص ١٦٩).
[٢] الزيادة عن أ، م.
[٣] الهنيات: الأراجيز.
[٤] خنس الرجل من القوم خنوسا: تأخر و اختفى.
[٥] في م، ء، ط: «طرف البحر فاضربي يا سفينة». و في ا: «ظرف البحر الخ».
[٦] في أ، م: «فأخذ».
[٧] احتقب ركوة: احتملها خلفه. و الركوة: إناء صغير من جلد يشرب فيه الماء. و في ط: «زكرة». و الزكرة (بالضم): زق صغير للشراب.
[٨] راجع الحاشية رقم ٣ من صفحة ١١٦ من هذا الجزء. و في هذا الشعر السناد و هو، كما فسره ابن سيدة المخالفة بين الحركات التي تلي الأرداف في الروي (انظر الجزء الأوّل من هذه الطبعة ص ١٤٣، حاشية رقم ١.
[٩] في ط: «زكرة». و انظر الكلام عليها في الصفحة السابقة حاشية رقم ٥.
[١٠] النون: الحوت.