الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٢٢ - قصرا الحضر و الخورنق
و قالت له: أنا أسقي الحرس الخمر، فإذا صرعوا فاقتلهم و ادخل المدينة، ففعل فتداعت المدينة، و فتحها سابور عنوة، فقتل الضيزن يومئذ، و أباد بني العبيد، و أفنى قضاعة الذين كانوا مع الضّيزن فلم يبق منهم باق يعرف إلى اليوم، و أصيبت قبائل حلوان و انقرضوا و درجوا، فقال في ذلك عمرو بن آلة [١] و كان مع الضّيزن:
أ لم يحزنك و الأنباء تنمي [٢]
بما [٣] لاقت سراة بني العبيد
و مصرع ضيزن و بني أبيه
و أحلاس [٤] الكتائب من تزيد
/ أتاهم بالفيول مجلّلات
و بالأبطال سابور الجنود
فهدّم من أواسي [٥] الحضر صخرا
كأنّ ثقاله زبر الحديد
/ قال: فأخرب [٦] سابور المدينة و احتمل النّضيرة بنت الضّيزن فأعرس بها بعين [٧] التمر، فلم تزل ليلتها تتضوّر [٨] من خشانة في فرشها و هي من حرير محشو بالقزّ، فالتمس ما كان يؤذيها فإذا هي ورقة آس ملتصقة بعكنة من عكنها قد أثّرت فيها. قال: و كان ينظر إلى مخّها من لين بشرتها. فقال لها سابور: ويحك! بأيّ شيء كان أبوك يغذّيك؟ قالت: بالزّبد و المخّ [٩] و شهد الأبكار من النحل و صفوة الخمر فقال: و أبيك لأنا أحدث عهدا بمعرفتك، و آثر [١٠] لك من أبيك الذي غذّاك بما تذكرين! ثم أمر رجلا فركب فرسا جموحا و ضفر غدائرها بذنبه، ثم استركضه فقطّعها قطعا، فذلك قول الشاعر:
أقفرا الحضر من نضيرة فالمر
باع منها فجانب الثّرثار [١١]
[١] كذا في جميع الأصول. و في «تاريخ الطبريّ» قسم ١ ص ٨٢٨: «عمر بن إله» و نسب ياقوت في «معجم البلدان» في اسم الحضر هذه الأبيات لشاعر سماه «الجديّ بن الدلهاث».
[٢] تنمى أي تشيع، و أصله من نمى الشيء إذا ارتفع و زاد.
[٣] الباء هنا زائدة و «ما لاقت» فاعل لقوله «يحزنك».
[٤] أحلاس الكتائب: الشجعان الملازمون لها، يقال: فلان من أحلاس الخيل أي هو في الفروسية و لزوم ظهر الخيل كالحلس اللازم لظهر الفرس.
[٥] كذا في ح، م، أ و «تاريخ الطبريّ» و هو جمع آسية و هي ما أسس من بنيان فأحكم أصله من سارية و غيرها. و في ب، س: «رواسي» بالراء.
[٦] الظاهر من السياق هنا أن أخرب بمعنى هدّم و دمّر و قد ذكر الفيوميّ في «المصباح المنير» و الفيروزآبادي في «القاموس» و الجوهريّ في «الصحاح» الكلمتين «أخرب و خرّب» و لم يذكروا بينهما فرقا إلا أن صاحب «اللسان» و المرتضى في «شرح القاموس» نقلا بينهما فرقا عن ابن عمرو بن العلاء فقالا: الأخراب: أن يترك الموضع خربا أي خاليا من السكان و التخريب: الهدم و خرجا عليه قوله تعالى: (يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَ أَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ) فمن قرأها بالتشديد فمعناه يهدمونها و من قرأها يخربون (بضم الياء و تخفيف الراء) فمعناها يخرجون منها و يتركونها خالية و مثله ما في «النهاية» لابن الأثير في هذه المادة. و في «روح المعاني» ذكر الآلوسيّ في تفسير هذه الآية هذا الفرق ثم قال: و قيل هما بمعنى واحد (انظر الكتب المتقدّمة في هذه المواد).
[٧] عين التمر: بلدة قريبة من الأنبار غربيّ الكوفة.
[٨] تتضوّر: تتلوى، يقال: تضوّر أي تلوّى و أظهر الضرر. و في ب، س: «تتضرّر».
[٩] في م، أ، ب: «المح» بالحاء و هو ما في جوف البيضة من أصفر، و قال ابن شميل: من أصفر و أبيض.
[١٠] كذا في «تاريخ الطبريّ» قسم ١ ص ٨٣٠ و في أغلب النسخ: «أوثر لك في أبيك». و في ب، س: «و أثأر لك في أبيك» و لم يظهر لهما معنى.
[١١] الثرثار واد عظيم بين سنجار و تكريت كان في القديم منازل بكر بن وائل، و اختص بأكثره بنو تغلب منهم، و يمر بمدينة الحضر ثم يصب في دجلة أسفل تكريت.