الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٢٣ - قصرا الحضر و الخورنق
قالوا: و كان الضّيزن صاحب الحضر يلقّب السّاطرون، و قال غيرهم: بل السّاطرون صاحب الحضر كان رجلا من أهل باجرمى [١] و اللّه أعلم أيّ ذلك كان. هذا خبر صاحب الحضر الذي ذكره عديّ.
و أما صاحب الخورنق فهو النعمان بن الشّقيقة، و هو الذي ساح على وجهه فلم يعرف له خبر، و الشقيقة أمه بنت أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان. و هو النعمان بن امرئ القيس بن عمرو بن عديّ بن نصر بن ربيعة بن الضّخم اللّخميّ، و هو صاحب الخورنق، فذكر ابن الكلبيّ في خبره الذي قدّمنا ذكره و رواية عليّ بن الصبّاح إياه عنه: أنه كان سبب بنائه الخورنق أنّ يزدجرد بن سابور كان لا يبقى له ولد، فسأل عن منزل مريء صحيح من الأدواء و الأسقام، فدلّ على ظهر الحيرة، فدفع ابنه بهرام جور بن يزدجرد إلى النعمان بن الشقيقة، و كان عامله على أرض العرب، و أمره بأن يبني الخورنق مسكنا له و لابنه و ينزله إياه معه، و أمره بإخراجه إلى بوادي العرب، و كان الذي بنى الخورنق رجلا يقال له «سنمّار» فلما فرغ من بنائه عجبوا من حسنه و إتقان عمله، فقال: لو علمت أنكن توفوني أجرتي و تصنعون بي ما أستحقّه، لبنيته بناء يدور مع الشمس حيثما دارت، فقالوا: و إنك لتبني ما هو أفضل منه و لم تبنه! أمر به فطرح من أعلى الجوسق [٢]. و قال: في بعض الروايات أنه قال له: إني لأعرف في هذا القصر موضع عيب إذا هدم تداعى القصر أجمع، فقال/ له: أما و اللّه لا تدلّ عليه أحدا أبدا، ثم رمي به من أعلى القصر، فقالت الشعراء في ذلك أشعارا كثيرة منها قول أبي الطّمحان القينيّ:
جزاء سنمّار جزوها [٣] و ربّها
و باللّات و العزّى جزاء المكفّر
و منها قول سليط بن سعد [٤]:
جزى بنوه أبا الغيلان [٥] عن كبر
و حسن فعل كما يجزى سنمّار
و قال عبد العزّى بن امرئ القيس الكلبيّ- و كان أهدى إلى الحارث بن مارية الغسّانيّ أفراسا، و وفد إليه فأعجب به و اختصّه، و كان للملك ابن مسترضع في بني عبد ودّ من كلب فنهشته حيّة، فظنّ الملك أنهم اغتالوه، فقال لعبد العزّى: جئني بهؤلاء القوم، فقال: هم قوم أحرار ليس لي عليهم فضل في نسب و لا فعل [٦]، فقال:
لتأتينّى بهم أو لأفعلنّ و أفعلنّ، فقال له:/ رجونا من حبائك امرا حال دونه عقابك و دعا ابنيه شراحيل و عبد الحارث- فكتب معهما إلى قومه:
جزاني جزاه اللّه شرّ جزائه
جزاء سنمّار و ما كان ذا ذنب
سوى رصّه البنيان عشرين حجة
يعلّى عليه بالقراميد [٧] و السّكب
[١] باجرمي: قرية من أعمال البليخ قرب الرقة من أرض الجزيرة.
[٢] الجوسق: القصر، فارسيّ معرّب.
[٣] كذا في أغلب النسخ و «خزانة الأدب» للبغدادي ج ١ ص ١٤٢. و في ح، و «تاريخ الطبريّ» قسم ١ ص ٨٥١: «جزاها».
[٤] كذا في ح، أ و «شرح الأشمونيّ» ج ١ ص ٤٠٧ طبع بولاق و «خزانة الأدب» للبغداديّ ج ١ ص ١٤٢ و «شرح الشواهد» للعينيّ الموجود بهامش «الخزانة». و في ب، س: «سعيد».
[٥] كذا في «شرح الأشمونيّ» و «خزانة الأدب» للبغداديّ و «شرح الشواهد» للعينيّ. و في الأصول: «غيلان» بالتنكير.
[٦] كذا في جميع الأصول. و في «تاريخ الطبريّ» قسم ١ ص ٨٥٣: «فعال» و الفعال: ايم للفعل الحسن و الكرم.
[٧] القراميد: جمع قرمد و هو الآجرّ، و قيل حجارة له خروق يوقد عليها حتى إذا نضجت بنى بها و هو روميّ تكلمت به العرب قديما.
و السكب: النحاس أو الرصاص.