الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٥١ - فصل زياد في حادثة قدمت له بنحو ما فصل عمر في أمر الزبرقان و الحطيئة
و كيف أرجّي ثروها و نماءها
و قد سار فيها خصية الكلب عامر
فقال أبو علاثة: ليس هكذا قلت؛ قال: فكيف قلت؟ قال قلت:
و إني لأرجو ثروها و نماءها
و قد سار فيها ناجذ الحقّ عامر
/ قال زياد: قاتل اللّه الشاعر، ينقل لسانه كيف شاء، و اللّه لو لا أن تكون سنّة لقطعت لسانك! فقام قيس بن فهد الأنصاريّ فقال: أصلح اللّه الأمير، ما أدري من الرجل، فإن شئت حدثتك عن عمر بما سمعت منه- قال:
و كان زياد يعجبه الحديث [١] عن عمر رضي اللّه عنه- قال: هاته، قال شهدته و أتاه الزّبرقان بن بدر بالحطيئة فقال:
إنه هجاني؛ قال و ما قال لك؟ قال قال لي:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها
و اقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
فقال عمر: ما أسمع هجاء و لكنّها معاتبة؛ فقال الزبرقان: أ و ما تبلغ مروءتي إلّا أن آكل و ألبس! فقال عمر:
عليّ بحسان، فجيء به فسأله؛ فقال: لم يهجه و لكن سلح عليه- قال و يقال: إنه سأل لبيدا عن ذلك فقال:
ما يسرّني أنه لحقني من هذا الشعر ما لحقه و أن لي حمر النّعم- فأمر به عمر فجعل في نقير [٢] في بئر ثم ألقي عليه شيء، فقال:
ما ذا تقول لأفراخ بذي مرخ [٣]
زغب [٤] الحواصل [٥] لا ماء و لا شجر
ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة
فاغفر عليك سلام اللّه يا عمر
أنت الإمام الذي من بعد صاحبه
ألقى إليك مقاليد النّهى البشر
لم يؤثروك بها إذ قدّموك لها
لكن لأنفسهم كانت بك الأثر [٦]
/ فأخرجه و قال له: إيّاك و هجاء الناس؛ قال: إذا يموت عيالي جوعا، هذا مكسبي و منه معاشي؛ قال: فإياك و المقذع من القول؛ قال: و ما المقذع؟ قال: أن تخاير بين الناس فتقول: فلان خير من فلان، و آل فلان خير من آل فلان؛ قال: فأنت و اللّه أهجى منّي. ثم قال: و اللّه لو لا أن/ تكون سنّة لقطعت لسانك، و لكن اذهب فأنت له، خذه يا زبرقان؛ فألقى الزبرقان في عنقه عمامة فاقتاده بها؛ و عارضته غطفان فقالوا له: يا أبا شذرة، إخوتك و بنو عمّك، هبه لنا؛ فوهبه لهم. فقال زياد لعامر بن مسعود: قد سمعت ما روي عن عمر، و إنما هي السّنن، فاذهب به فهو لك؛ فألقى في عنقه حبلا أو عمامة، و عارضته بكر بن وائل فقالوا له: أخوالك [٧] و جيرانك؛ فوهبه لهم.
[١] في ط: «و كان زياد يعجبه أن يسمع الحديث عن عمر».
[٢] النقير: ما نقر من حجر أو خشب و نحوهما.
[٣] في هامش ط: «و يروي بذي أمر» و قد ورد البيت فيها فيما يلي بهذه الرواية. و ذكر صاحب «القاموس» في مادة «مرخ» أن ذا مرخ بالتحريك واد بالحجاز. قال ياقوت: هو واد بين فدك و الوابشية كثير الشجر، و أورد هذا البيت، ثم قال: و الرواية المشهورة «بذي أمر» و ذو أمر: موضع بنجد من ديار غطفان.
[٤] كذا في أغلب الأصول. و في ح، و «الديوان»: «حمر الحواصل». و المراد من حمرتها خلو جلدها من الريش لقرب عهدها بالولادة.
[٥] الحوصلة من الطائر و الظليم بمنزلة المعدة في الإنسان.
[٦] الأثر: جمع أثره و هي المكرمة. و في ط: «كانت بك الخير» و في «الديوان»: «كانت بها الخير».
[٧] في ط: «إخوتك و جيرانك».