الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٥١٩ - ابن ميادة و الحكم الخضري و بدء تهاجيهما
جمعني و ابن ميّادة و صخر بن الجعد الخضريّ، مجلس، فأنشدنا ابن ميّادة قوله:
يمنّونني منك اللقاء و إنني
لأعلم لا ألقاك من دون قابل
/ فأقبل عليه صخر فقال له: المحبّ المكبّ يرجو الفائت و يغمّ [١] الطير، و أراك حسن العزاء يا أبا الشّرحبيل؛ فأعرض عنه ابن ميّادة. قال أبو عديّ فقلت:
صادف درء [٢] السّيل سيلا يردعه
بهضبة تردّه و تدفعه
- و يروي: درء [٣] السيل سيل- فقال [٤] لي: يا أبا عديّ، و اللّه لا أتلطّخ بالخضر مرّتين و قد قال أخو عذرة:
هو العبد أقصى همّه أن تسبّه
و كان سباب الحرّ أقصى مدى العبد
قال الزبير: قوله يغمّ [١] الطير يقول: إذا رأى طيرا لم يزجرها مخافة أن يقع ما يكره.
قال: فلم يحر إليه صخر بن الجعد جوابا. يعني بقوله: «لا أتلطّخ بالخضر مرّتين» مهاجاته الحكم الخضريّ، و كانا تهاجيا زمانا ثم كفّ ابن ميّادة و سأله الصلح فصالحه الحكم.
ابن ميادة و الحكم الخضريّ و بدء تهاجيهما
أخبرني الحرميّ [٥] بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدثني أبو مسلمة موهوب [٦] بن رشيد عن عبد الرحمن بن الأحول التغلبيّ ثم الخولانيّ قال:
كان أوّل ما بدأ الهجاء بين ابن ميّادة و حكم بن معمر الخضريّ أن ابن ميّادة مرّ بالحكم بن معمر و هو ينشد في مصلّى النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم في جماعة من الناس قوله:
لمن الديار كأنّها لم تعمر
بين الكناس [٧] و بين برق [٨] محجّر [٩]
[١] في جميع النسخ: «يعم» بالعين المهملة، و هو تحريف (انظر الحاشية رقم ١ ص ١٣٨ من الجزء الأوّل من «الأغاني» طبع دار الكتب المصرية).
[٢] كذا فيء يقال: درأ السيل درءا إذا اندفع. و في بقية الأصول: «دبر». و الدبر: آخر الشيء. و قد جاء هذا البيت في «تاج العروس» مادة «درأ» هكذا:
صادف درء السيل سيل يدفعه
بهضبة طورا و طورا يمنعه
[٣] كذا فيء. و في ب: «و يروي درّ السيل فقال الخ». و في أ، م: «و يروى درّ السيل سيل فقال إلخ».
[٤] كذا في ط. و في باقي الأصول: «له».
[٥] كذا في أ، م، ء، و هو المعروف بالرواية عن الزبير بن بكار. و في ب، س، ح: «الحكم بن أبي العلاء» و هو تحريف من النساخ.
[٦] كذا في أغلب النسخ. و في ح: «مرهوب» بالراء و قد تقدّم هذا الاسم مرارا.
[٧] الكناس: موضع من بلاد غنّي. قال جرير:
لمن الديار كأنها لم تحلل
بين الكناس و بين طلح الأعزل
كذا في «معجم ياقوت» في اسم «الكناس». و قال البكريّ في «معجم ما استعجم»: هو موضع ينسب إليه رمل الكناس في بلاد عبد اللّه بن كلاب، قاله ابن الأعرابيّ و أنشد للأعور بن براء من بني عبد اللّه بن كلاب:
رمتني و سرّ اللّه بيني و بينها
عشية أحجار الكناس رميم
[٨] البرق بضم ففتح (و سكنت الراء هنا للضرورة): جمع برقة و هي أرض غليظة مختلطة بحجارة و رمل. قال ابن شميل: الغالب على حجارتها البياض و فيها حجارة سود و حمر و ترابها أبيض و أعفر و هو يبرق بلون حجارتها. و يحتمل أن يراد بالبرق واحدة و هي البرقة فإن برقة قد يذكرها الشاعر بلفظ برق. و لهذا الاستعمال شواهد كثيرة (انظرها في «تاج العروس» مادة برق).
[٩] محجر (بكسر الجيم المشدّدة و روي بفتحها): اسم لمواضع كثيرة ذكرها ياقوت في اسم المحجر.