الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٧٣ - أكرهه الحسن بن الحسن على الخروج معه إلى البغيبغة ليغنيه
لم ينفذوا أمري فيك لأقطعنّ أيديهم. فلما رأى ابن عائشة ما ظهر من الحسن علم أنه لا بد من الذهاب، فقال له:
بأبي أنت و أمّي، أنا أمضي معك طائعا لا كارها. فأمر الحسن بإصلاح ما يحتاج إليه و ركب، و أمر لابن عائشة ببغلة/ فركبها و مضيا، حتى صارا إلى البغيبغة فنزلا الشّعب [١]، و جاءهم ما أعدّوا فأكلوا؛ ثم أمر الحسن بأمره و قال يا محمد؛ فقال له: لبّيك يا سيدي؛ قال: غنّني؛ فاندفع فغناه:
صوت
يدعو النبيّ بعمّه فيجيبه
يا خير من يدعو النبيّ جلالا
ذهب الرجال فلا أحسّ رجالا
و أرى الإقامة بالعراق ضلالا
و أرى المرجّى للعراق و أهله
ظمآن هاجرة يؤمّل آلا [٢]
و طربت إذ ذكر المدينة ذاكر
يوم الخميس فهاج لي بلبالا [٣]
فظللت أنظر في السماء كأنني
أبغي بناحية السماء هلالا
- الشعر لابن المولى من قصيدة طويلة قالها و قد قدم إلى العراق لبعض أمره فطال مقامه بها و اشتاق إلى بلده. و قد ذكر خبره في موضعه [٤] من هذا الكتاب. و الغناء لابن عائشة ثقيل أوّل بالبنصر عن حمّاد و الهشاميّ و حبش. و قال الهشاميّ خاصة: فيه لحن لقراريط- فقال له الحسن: أحسنت و اللّه يا ابن عائشة [٥]! فقال ابن عائشة:/ و اللّه لا غنّيتك في يومي هذا شيئا؛ فقال الحسن: فو اللّه لا برحت البغيبغة ثلاثة أيام! فاغتمّ ابن عائشة ليمينه و ندم و علم أنّه لا حيلة له إلا المقام، فأقاموا. فلمّا كان اليوم الثاني قال له الحسن:
هات ما عندك فقد برّت يمينك، و كانوا جلوسا على شيء مرتفع، فنظروا إلى ناقة تقدم جماعة إبل، فاندفع ابن عائشة فغنّى:
تمرّ كجندلة المنجني
ق يرمى بها السور يوم القتال
فما ذا تخطرف من قلّة
و من حدب و إكام توالي
و من سيرها العنق المسبطرّ و العجرفيّة بعد الكلال فقال له الحسن: ويلك يا محمد! لقد أحسنت الصنعة؛ فسكت ابن عائشة؛ ثم قال له: غنني، فغنّاه:
إذا ما انتشيت طرحت اللّجا
م في شدق منجرد [٦] سلهب
[١] لم نقف على أن الشعب اسم مكان بعينه بالبغيبغة، و لعل المراد معناه اللغوي و هو مسيل الماء في بطن من الأرض له حرفان مشرفان و عرضه بطحة رجل إذا انبطح.
[٢] الآل: السراب، و قيل: الآل من الضحى إلى زوال الشمس. و السراب بعد الزوال إلى صلاة العصر.
[٣] البلبال: شدّة الهم.
[٤] ترجمة ابن المولى هذا في الجزء الثالث من «الأغاني» طبع بولاق ص ٩٣.
[٥] في ط: «أحسنت و اللّه بابن عائشة أحسنت».
[٦] المنجرد من الجياد: القصير الشعر. و السلهب: الطويل.