الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٥٥ - أقبل على ابن عباس و سأله أ عليه جناح في هجاء الناس
لم يزل الحطيئة في بني قريع يمدحهم حتى إذا أحيوا [١] قال لبغيض: ف لي بما كنت تضمّنت؛ فأتى بغيض علقمة بن هوذة فقال له: قد جاء اللّه بالحيا، فف لي بما قلت- و كان قد ضمن له مائة بعير- و أبرئني مما تضمّنته عهدتي؛ فقال: نعم، سل في بني قريع فمهما فضل بعد عطائهم أن يتمّ مائة أتممته، ففعل فجمعوا له أربعين أو خمسين بعيرا، كان الرجل يعطيه على قدر ماله البعير/ و البعيرين؛ قال: فأتمّها علقمة له مائة و راعيين فدفعت إليه.
فلم يزل يمدحهم و هو مقيم بينهم حتى قال كلمته السينيّة و استعدى الزبرقان عليه عمر رضي اللّه عنه. فلما رحل عنهم قال:
لا يبعد اللّه إذ ودّعت أرضهم
أخي بغيضا و لكن غيره بعدا
لا يبعد اللّه من يعطي الجزيل و من
يحبو الجليل و ما أكدي و لا نكدا
و من تلاقيه [٢] بالمعروف مبتهجا
إذا اجرهدّ [٣] صفا المذموم أو صلدا
لاقيته ثلجا [٤] تندى أنامله
أن يعطك اليوم لا يمنعك ذاك غدا
إنّي لرافدة ودّي و منصرتي
و حافظ غيبه إن غاب أو شهدا
أقبل على ابن عباس و سأله: أ عليه جناح في هجاء الناس
أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا محمد بن موسى قال حدّثنا أحمد [٥] بن الحارث عن المدائنيّ عن ابن دأب عن عبد اللّه بن عيّاش المنتوف قال:
بينا ابن عباس جالس في مجلس [٦] رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم بعد ما كفّ بصره و حوله ناس من قريش، إذا أقبل أعرابيّ يخطر و عليه مطرف و جبّة و عمامة خزّ، حتى سلّم على القوم فردّوا عليه السّلام، فقال: يا بن عمّ رسول اللّه، أفتني؛ قال: في ما ذا؟ قال أ تخاف عليّ جناحا إن ظلمني رجل فظلمته و شتمني فشتمته و قصّر بي فقصّرت به؟ فقال:
العفو خير، و من انتصر فلا جناح عليه؛ فقال: يا بن عمّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم أ رأيت امرأ أتاني فوعدني و غرّني و منّاني ثم أخلفني و استخفّ بحرمتي، أ يسعني أن أهجوه؟ قال: لا يصلح الهجاء، لأنه لا بدّ لك من أن تهجو غيره من عشيرته فتظلم من لم يظلمك، و تشتم من لم يشتمك، و تبغي على من لم يبغ عليك، و البغي مرتع و خيم، و في العفو ما قد علمت من الفضل؛ قال: صدقت و بررت؛ فلم ينشب أن أقبل عبد الرحمن بن سيحان المحاربيّ حليف قريش، فلما رأى الأعرابيّ أجلّه و أعظمه و ألطف في مسألته، و قال: قرّب اللّه دارك يا أبا مليكة، فقال ابن عباس:
أ جرول؟ قال: جرول؛ فإذا هو الحطيئة، فقال ابن عباس: للّه أنت! أيّ مردي [٧] قذاف، و ذائد عن عشيرة [٨]،
[١] أحيوا: أصابهم الحيا و هو المطر.
[٢] كذا في أ، م بالتاء، و هو المناسب للسياق. و في ب، س، ح، ط: «يلاقيه».
[٣] يقال: اجرهدّت الأرض إذا لم يوجد فيها نبات و لا مرعى. و الصفا: جمع صفاة و هي الصخرة الملساء.
[٤] ثلجا: فرحا مبتهجا.
[٥] كذا في ح. و في سائر النسخ: «محمد» و قد تقدّم في صفحة ١٧١ حاشية ١ من هذا الجزء أنه أحمد بن الحارث الخزاز صاحب المدائنيّ و روايته.
[٦] أي في المكان الذي كان يجلس فيه النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم، لأن ابن عباس كفّ بصره بعد وفاته صلى اللّه عليه و آله و سلّم، و سياق الحكاية نفسها يدل على ذلك.
[٧] المردي في الأصل: حجر يرمى، و يطلق على الرجل الشجاع فيقال: أنه لمردي حروب.
[٨] كذا في ح. و في سائر النسخ: «عشيرته».