الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٠٠ - تدبير عدي بن مرينا المكيدة لعدي بن زيد
لتخالفنّ كلّ ما أمرك به و لتملّكنّ، و لئن عصيتني ليملّكنّ النعمان و لا يغرّنك ما أراكه من الإكرام و التفضيل على النعمان، فإن ذلك دهاء فيه و مكر، و إن هذه المعدّيّة لا تخلو من مكر و حيلة، فقال له: إن عديا لم يألني نصحا و هو أعلم بكسرى منك، و إن خالفته أوحشته و أفسد عليّ/ و هو جاء بنا و وصفنا و إلى قوله يرجع كسرى، فلمّا أيس ابن مرينا من قبوله منه قال: ستعلم. و دعا بهم كسرى، فلما دخلوا عليه أعجبه جمالهم و كمالهم و رأى رجالا قلّما رأى مثلهم، فدعا لهم بالطعام ففعلوا ما أمرهم به عديّ، فجعل ينظر إلى النعمان من بينهم و يتأمّل أكله، فقال لعديّ بالفارسية: إن يكن في أحد منهم خير ففي هذا، فلما غسلوا أيديهم جعل يدعو بهم رجلا رجلا فيقول له: أ تكفيني العرب؟ فيقول: نعم أكفيكها كلّها إلا إخوتي، حتى انتهى النعمان آخرهم فقال له: أ تكفيني العرب؟ قال: نعم قال: كلّها؟ قال: نعم، قال: فكيف لي بإخوتك؟ قال: إن عجزت عنهم فأنا عن غيرهم أعجز، فملّكه و خلع عليه و ألبسه تاجا قيمته ستون ألف درهم فيه اللؤلؤ و الذهب.
توعد عديّ بن مرينا لعديّ بن زيد بأن يهجوه و يبغيه الغوائل ما بقي
فلما خرج و قد ملّك قال ابن مرينا للأسود: دونك عقبى خلافك لي!. ثم أن عديا صنع طعاما في بيعة و أرسل إلى ابن مرينا أن ائتني بمن أحببت فإنّ لي حاجة فأتى في ناس فتغدّوا في البيعة، فقال عديّ بن زيد لابن مرينا: يا عديّ، إنّ أحقّ من عرف الحقّ ثم لم يلم عليه من كان مثلك، و إني قد عرفت أنّ صاحبك الأسود بن المنذر كان أحبّ إليك أن يملّك من صاحبي النعمان، فلا تلمني على شيء كنت على مثله، و أنا أحبّ ألّا تحقد عليّ شيئا لو قدرت عليه ركبته، و أنا أحبّ أن تعطيني من نفسك ما أعطيك من نفسي، فإنّ نصيبي في هذا الأمر ليس بأوفر من نصيبك، و قام إلى البيعة فحلف ألّا يهجوه أبدا و لا يبغيه غائلة و لا يزوي عنه خيرا أبدا. فلما فرغ عديّ بن زيد، قام عديّ بن مرينا فحلف مثل يمينه ألّا يزال يهجوه أبدا و يبغيه الغوائل ما بقي. و خرج النعمان حتى نزل منزل أبيه بالحيرة، فقال/ عديّ بن مرينا لعديّ بن زيد:
/ ألا أبلغ عديّا عن عديّ
فلا تجزع و إن رثّت [١] قواكا
هياكلنا تبرّ لغير فقر [٢]
لتحمد [٣] أو يتمّ به غناكا [٤]
فإن تظفر فلم تظفر حميدا
و إن تعطب فلا يبعد سواكا
ندمت ندامة الكسعيّ [٥] لمّا
رأت عيناك ما صنعت يداكا
تدبير عديّ بن مرينا المكيدة لعديّ بن زيد
قال: ثم قال عديّ بن مرينا للأسود: أما إذا لم تظفر فلا تعجزنّ أن تطلب بثأرك من هذا المعدّيّ الذي فعل
[١] رثّت: ضعفت.
[٢] كذا في م «فقر» بالراء المهملة. و في باقي النسخ «فقد» بالدال المهملة.
[٣] كذا في ح و «شعراء النصرانية» «لتحمد» بالتاء و في باقي النسخ «ليحمد» بالياء.
[٤] كذا في ح بالغين المعجمة. و في باقي النسخ «عناكا» بالعين المهملة.
[٥] الكسعيّ: نسبة إلى كسع: حيّ من قيس عيلان و قيل هم حيّ من اليمن رماة. و الكسعيّ هذا يضرب به المثل في الندامة و هو رجل رام رمى بعد ما أظلم الليل عيرا فأصابه و ظنّ أنه أخطأه فكسر قوسه ثم ندم من الغد حين نظر إلى العير مقتولا و سهمه فيه، فصار مثلا لكل نادم على فعل يفعله. و إياه عني الفرزدق بقوله:
ندمت ندامة الكسعيّ لمّا
غدت منّي مطلّقة نوار
(انظر «اللسان» مادة كسع).[٣]