الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٤٨ - خبره مع الزبرقان بن بدر و سبب هجائه إياه
قوم هم الأنف و الأذناب غيرهم
و من يسوّي بأنف الناقة الذنبا
فصار بعد ذلك فخرا لهم و مدحا، و كانوا ينازعون الزّبرقان الشرف- يعني بغيضا و إخوته و أهله- و كانوا أشرف من الزّبرقان، إلا أنه قد كان استعلاهم بنفسه. و قال أبو عبيدة في خبره: كان الحطيئة دميما سيّئ [١] الخلق، لا تأخذه العين، و معه عيال كذلك. فلما رأت أمّ شذرة حاله هان عليها و قصّرت [٢] به، و نظر بغيض و بنو أنف الناقة إلى ما تصنع به أمّ شذرة، فأرسلوا إليه: أن ائتنا، فأبى عليهم و قال: إن من شأن النساء التقصير و الغفلة، و لست بالذي أحمل على صاحبها ذنبها. فلما ألحّ عليه بنو أنف الناقة، و كان رسولهم إليه شمّاس بن لأي و علقمة بن هوذة و بغيض بن شمّاس و المخبّل الشاعر، قال لهم: لست بحامل على الرجل ذنب غيره، فإن تركت و جفيت تحوّلت إليكم؛ فأطمعوه و وعدوه وعدا عظيما. و قال ابن سلّام في خبره: فلما لم يجبهم دسّوا إلى هنيدة زوجة الزّبرقان أنّ الزبرقان إنما يريد أن يتزوّج ابنته مليكة؛ و كانت جميلة كاملة، فظهرت من المرأة للحطيئة جفوة و هي في ذاك تداريه./ ثم أرادوا النّجعة [٣]، قال أبو عبيدة: فقالت له أمّ شذرة- و قال ابن سلّام: فقالت له هنيدة-: قد حضرت النّجعة فاركب أنت و أهلك هذا الظّهر إلى مكان كذا و كذا، ثم اردده إلينا حتى نلحقك فإنه لا يسعنا جميعا؛ فأرسل إليها: بل تقدّمي أنت فأنت أحقّ بذلك؛ ففعلت و تثاقلت عن ردّها [٤] إليه و تركته يومين أو ثلاثة، و ألحّ بنو أنف الناقة عليه و قالوا له: قد تركت بمضيعة. و كان أشدّهم في ذلك قولا بغيض بن شمّاس و علقمة بن هوذة، و كان الزّبرقان قد قال في علقمة:
لي ابن عمّ لا يزا
ل يعيبني و يعين [٥] عائب
و أعينه في النائبا
ت و لا يعين على النوائب
تسري عقاربه إل
ى و لا تدبّ له عقارب
لاه [٦] ابن عمّك لا يخا
ف المحزنات من العواقب
قال: فكان علقمة ممتلئا غيظا عليه. فلما ألحّوا على الحطيئة أجابهم و قال [٧]: أما الآن فنعم، أنا صائر معكم. فتحمّل معهم، فضربوا له قبّة، و ربطوا بكلّ طنب من أطنابها جلّة [٨] هجريّة،
[١] في ط: «شنىء الخلق» و لعله فعيل بمعنى مفعول من شنىء الرجل (بالبناء للمفعول) إذا أبغض. و لم نجد هذه الصيغة في «كتب اللغة» التي بين أيدينا أو لعله تحريف عن «مشيأ الخلق» و المشيأ: المختلف الخلق المخبلة القبيح.
[٢] قصرت به: لم تكرمه و لم تبلغ ما يرضيه.
[٣] النجعة: طلب الكلأ في موضعه.
[٤] كذا في جميع النسخ و لعله: «رده». أو أنه أنث الضمير باعتبار أن مرجعه الدابة و هي تقع على المذكر و المؤنث قال اللّه تعالى (وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها).
[٥] كذا في ط و في سائر الأصول «و يعيب» و عائب على هذه النسخة بمعنى ذي عيب يقال: عاب الشيء عيبا: صار ذا عيب.
[٦] لاه: بمعنى للّه، و مثله قول ذي الأصبع العدوانيّ:
لاه ابن عمك لا أفضلت في حسب
عني و لا أنت دياني فتخروني
[٧] كذا في ط و هي أنسب. و في سائر النسخ: «فقال».
[٨] في «اللسان»: «الجلة: وعاء يتخذ من الخوص يوضع فيه التمر يكنز فيها». و قال في مادة «وزن»: «و الوزن: الفدرة من التمر لا يكاد الرجل يرفعها بين يديه تكون ثلث الجلة من جلال هجر». و في ط: «حلة» و لعلها تصحيف «جلة». و في باقي الأصول: «قلة» و السياق لا يساعد على تصويبه.